الصدور العارية
(قصة طويلة جدا)
لم تكن علاقتي بزوجتي ، كما يظنها البعض أو يتصورها ، على النحو الذي يراه الناس،الحقيقة أنها ليست جيدة، وبنفس القدر ، علاقتي بابنائى ، خاصة البنات منهم ..
يعنى مشاكل وانعدام ثقة وقلة عقل وقلة أدب ، ومن الطبيعي أو هكذا تعودت أن ابذل الجهد كله لتحسين الصورة حتى لا تشمت في شقيقتي ، والتي كثيرا ما نصحتني بألا أتزوج بها ، وعلى رأى المثل : " النصيب غلاب " و" الفاس وقعت في الرأس" ..
المهم ، ومع مجئ شهر يناير واحتفال الناس بليلة رأس السنة " الكريسماس" ، أصرت زوجتي على أن نمضى تلك الليلة في القاهرة ، وما أزاد الطين بله هو موقف اولادى خاصة البنات ، فاستسلمت ورضخت .. لا حول ولا قوة إلا بالله ، فسماع الرجل لكلام زوجته لا شك انه أفضل من البهدلة والاهانة والضرب ..
الأمر لله وحده .. ذهبنا إلى القاهرة .. وصلنا .. كانت الساعة تقترب من الحادية عشرة..استأ جرنا غرفة في فندق متواضع .. استرحنا لبعض الوقت .. ساعة تقريبا ..
تناولنا طعام الغذاء قرب المغرب في ذات الغرفة .. تهيأنا لمغادرة الفندق طلبا لمشاركة آهل القاهرة احتفالاتهم بعيد رأس السنة الميلادية " الكريسماس " ، قلت بصوت خفيض ، حتى لا تسمعني تلك المرأة المتأبطة ذراعي : " ليلتك باين عليها سوده .. "
المحال .. الأنوار.. العمائر .. أمواج البشر .. الضوضاء.. عمار يا مصر..
ــ إيه رأيك يا بابا ؟؟ ندخل سينما ..
ــ قولي لامك ..
تقدمت زوجتي .. قطعت خمس تذاكر سينما ، وسألتها : " هو الفيلم اسمه إيه ؟؟" ، فأجابتني ، وكأنها تصب فوق رأسي ماءا باردا علني أفيق من غيبوبتي : ــ اسمه ( تقصد اسم الفيلم ) صدور عارية .. فتح مخك شوية يا أبو اولادى ..
الأمر لله .. دخلنا السينما ، وبدأت الأحداث .. الأفيش فعلا مكتوب عليه اسم الفيلم بالخط الأحمر " صدور عارية " ، وتحت اسم الفيلم مكتوب عبارة " على الحدود " بخط صغير يكاد لا يرى ، أما الأسماء ، أسماء الممثلين ، فمكتوبة بمداد باهت ، لا اعرف بالضبط إن كانت الأسماء مكتوبة باللون الأسود أو الأزرق أو البنفسجي .. الأسماء باهتة جدا . جدا .. على ما يبدو أنهم ، توفيرا للنفقات ، قد استعانوا بتلميذ في الصف الثالث الابتدائي .. اعتقـد ذلك .. ظهـر على الشاشة الكبيرة ، شاشة السينما ، رجل ملتح ومعمم .. بطل الفيلم ؟ صرخ في الجماهير : " أطالب بفتح معبر رفح .. " سألت زوجتي : أليست الكوكاكولا أولى بالفتح ؟ فانا لا أحب مشروب " رفح" ، وإذا ببوابة تنفتح وطائرات في السماء تحلق وصواريخ تنطلق ومبان تدمر ودماء وأشلاء وهوجة يوم الحشر ، وعاد نفس الشيخ ولنفس الجماهيـر : " أطالب بفتح كرم أبو سالم ".. قفزت من فوق الكرسي لأهتف :عاش الشيخ البطل .. تحملت كل هذا الضرب بالنعال والركل بالأرجل ، أما السب والشتم فحدث ولا حرج .. ألا لعنة الله على رواد تلك السينما . ناس فظاع ، ورحت أشاهد الطائرات وهى تقصف المعبر ، معبر"كرم أبو سالم " ، وتلك الفوضى الهائلة ، وأناس كثر يهربون إلى ارض صفراء جرداء،فيسرع الأعداء فيقنصون أرضهم قنصا ، وعاد الشيخ ، نفس الشيخ ، ليهتف : " اقتحموا المعبر بصدوركم" ، فاقتحم الناس المعبر ، وإذا بالطائرات تعاود القصف ثانية لتفترش الأرض بالأشلاء وانهار الدماء ، وعاد الشيخ : " على القوات المسلحة أن تتمرد على السلطة " .. فتمتلئ شاشة العرض بجنود وضباط من كل الرتب ، فيهجمون على الأرض المغتصبة ، فتستسلم لهم كجواد ضل لسنين فالتقى سائسه .. استرد البواسل الأرض .. اختفى الأعداء . اندحروا في لحظة وضجت القاعة ، قاعة السينما ، بالهتاف والتهليل : الله اكبر .. الله اكبر .. الله اكبر .. عاد الحق لأصحابه ، وانعقد مجلس الأمن ، فقلت لزوجتي : " أنا شوفت الفيلم ده قبل كده.. " ، فقالت بضجر وكأنها ترغب التخلص منى : " يا زوجي . خللي ليلتك السودة دى تعدى واسكت .. "
انتهى الفيلم .. خرجنا من السينما ، لا اعرف إلى أين نحن ، أنا وزوجتي واولادى ، ذاهبون ؟؟ وخشيت اسأل زوجتي .. أسلمت قدماي للطريق .. رحت اردد في نفسي :
" خللي ليلتك السودة دى تعدى واسكت .."
تعليقات
إرسال تعليق