على روح الغائب
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الرحيل
ــــــــــــــــــــــــ
وقفت. تلفتت من حولها. على الحجر المركون قعدت وهى تدير رأسها ببطء شديد .. كان وجهها مرفوعا إلى أعلى قليلا، وكأنها تتطلع إلى شيء أو تبحث عن شيء .. الحقول الخضراء من أمامها مترامية. الأشجار متناثرة، وكأنها علامات تفصل الملكيّات عن بعضها. هذا غيط عم "محمد " زارع برسيم، وهذا غيط عم "عبد السلام غنيم"زارع أذرة، وهذا غيط ... زارع... تذكرت أيام الدراسة.." نبيلة تزوجت . هنية مخطوبة. نيفين أو نانى كما كانوا يطلقون عليها من باب الدلال كان دمها خفيف. زى العسل .. لم يأت بعد . نسى المعاد!!؟ ممكن . . يا الله .. " انطلقت منها زفرة كانت مكتومة.. تطلعت إلى السماء.. بدأت الشمس يرق نورها .. تذكرت أول مرة رأته فيها.. قالت لها "نانى" وكأنها تحرضها، وهى تشير إليه بخبث البنات : " الولد اللي هناك ده بـ يموت فيك " فقالت لها وهى تحوّل بصرها باتجاهه : " بطلي يا بنت .." تمنت أن تحادثه. تمنت أن تقول له : " وأنا كمان " .. بدأ الشيخ "عبد الواحد سلامة" يعد العدة لسحب بقرته، وهو يتهيأ لاعتلاء ظهر حمارته المسكينة. كان يعرف ذلك ، فتعامل معها برفق.. " هانت. هانت. بكرة ربنا يسهل وأبيعك واشترى واحدة غيرك.." ألقى بتحية المساء عليها: " مساء الخير يا نواره " فردّت عليه نواره : " مسّاك الله بكل خير يا عم الشيخ"، ثم قالت وكأنها تداعبه: "أنت إن شاء الله مروّح !؟ ".. " أيوه يا بنتي.. المغرب قرّب "، وكأنه يحثها أو ينبهها إلى جلستها الغير مناسبة في هذا التوقيت.. "الشيخ عبد الواحد سلامة " رجل طيب لا يعرف القراءة أو الكتابة .. يمتلك نصف فدان في حوض يعقوب البحري. جاوز الستين من عمره، وكانت داره تفصلها عن دار "نواره"محل عم"حسونه المواردى" ودكانة عم "حسنى يس " ..
ساورتها الهموم ، وطيرت النوم من عينيها: "الله يخرب بيتك زى م أنت محيرنى .. أنا مش عارفه أنت عايز إيه؟! حب وحبناك. مقابلة و100 مرة قابلناك، فضيحة، وانفضحنا في كل الدنيا!! طيب عايز إيه تانى؟؟! سألتها أمها: وأخرتها؟؟!
انتهت نواره من إعداد الطعام، وأيضا، أمها "فوز" أو "فوزية " قد فرغت من عمل الواجب اليومي. خبزت. كنست الدار. بطلت رغى مع الجيران، وعند عودة "عوض" ساعدته في ربط البهائم في الزريبة.. همّ أن يغتسل فدخل الحمام الجديد ذي الأرضية السيراميك اللبني والحوائط القيشاني والدش المعلق.. تناولوا العشاء.." افتحي لنا التليفزيون يا فوز".. فتحت "فوز" التليفزيون الملون، ثم انصرفت تصنع الشاي في المطبخ.. الفيلم لم يرق لـ "مصطفى " فغير القناة. تبرم "عبد المنعم" وبدا الاستياء واضحا على وجهه .. " يعنى عايز إيه في ليلتك السوده دى؟؟ " " هات الماتش " " الله يخرب بيتك على بيت الماتشات.. أنت ما بتزهقش!!؟".. بلهجة الاستعطاف قال له والده "عوض" : " هات له الماتش يا مصطفى يا ابني وريّحنا .." أما نواره فكانت تتوق إلى سماع فيلم "حب البنات"، فقالت برجاء: "هات لنا فيلم أحسن.." جلس أفراد الأسرة في حجرة الكنب العربي، والذي حل محل الحصر النبيتى البلاستيك.." والله زمان!!؟ " فرمته "فوز" بنظرة مثل حدف الطوب، ثم قالت وكأنها توبخه :" قطعت .." والله ما أنا عارفه. هي الدنيا ماشية معي بالمقلوب ليه؟! ابن الوسخة مش عاجبه!! دا أنا ألف من يتمنى ضفري.. الله يقطع الحب وسنينه .. يعنى أنا لو كنت اتجوزت الولد "مسعود " كان زماني معي، على الأقل، ولدين. واللا ولد وبنت. اسمه حلو يا بنت. يا سلام "مدحت".. مادي.. يا انهار ازرق!! لا. مش معقول!! جايز!؟ طيب يا بنت وبعدين؟؟! أعمل أنا إيه؟؟ دى تبقى خيبة تقيله قوى.. يا خسارة سهر الليالي فيك.. آه. يا ابن الكلب يا معفن.. لا يا بنت. الشيطان شاطر. بـ يحبك.. كأن الأرض انشقت وبلعته. راح فين!؟؟ اسأل عليه البنت نانى. أيوه نانى .." .. الشوط الأول انتهى 1/0 .. كانت فرصة .. غير"مصطفى" القناة، وراحوا يشاهدون تمثيلية "أفراح إبليس". " بس . هو كده فعلا .. اقتله واشرب من دمه .. يا لهوى !! اقتله !؟ وأروح أنا في ستين داهية !! "
قالت لها، وكأنها تتذكر: " أنا شوفته تقريبا من شهر .. " .. تململت قليلا في مقعدها ، ثم أطرقت برأسها ثم حدقت في زجاجة الكوكاكولا، وكأنها تتحدث إليها : الأرض بلعته!!؟ .. كان الجو مشجعا للغاية ، ونيفين تتطلع إلى صفحة ماء النهر التي تلمع تحت الضوء المنعكس من اللمبات الكهربية الواقفة على حافة الجسر، وكان الضوء يتكسر بفعل حركة المياه التي تتتابع عليها تيارات الهواء ونسماته.. لا شك أن صوت بائع اللب كان مزعجا لهن: لب يا آنسة ؟ لب ؟ وكأنها استيقظت من نومها . تفرسته ، ثم طلبت منه : " هات لنا بـ نص جنيه .. " ثم تطلعت إلى نيفين قائلة كمن يفرج عن نفسه كربه : " اهو نتسلى .. هات يا ابني .. " فقالت لها صديقتها نيفين بلهجة النصح والإرشاد: "بصراحة يا نواره يا حبيبتي. الحكاية دى شكلها مش نافع .. فكرى أحسن من كده .." أخذت نواره بعض من حب اللب وراحت تقزقز.. قالت في نفسها: " يا ريت كنت اقدر.."
كان الوقت بعد العصر بقليل عندما سألته :" أنت يا عم عبد الواحد مش ح تغير الحماره دى؟! فرد عليها :"دى عشرة عمر يا نواره. لكن ما باليد حيلة. لازم أغيرها . اعمل إيه ؟!" وراح الشيخ"عبد الواحد سلامة" يحكى لها قصة الحمارة .. " يا ترى أنت فين؟! " .. مسحت المكان بعينيها وكأنها موقنة انه مختبئ فيه.. يا سلام يا واد مدحت لما نكونوا كده مع بعض. ح أخليك اسعد إنسان في الدنيا كلها .. بس على شرط الشبكة 200 جرام ،وعايزه أربع أود .. آه . أربعة .. نوم . صالون . جلوس . وسفرة ، وسرير أطفال .. عايزه الستاير لونها بنبي . لا. فستقي أحسن. أيوه.. فستقي .. خللى المبلط يعمل أرضية الحمام سيراميك لونه بني في بيج .. تنبهت إلى أن الشيخ "عبد الواحد سلامة " قد فرغ من حديثه ، ثم انصرف إلى حمارته يركبها وبقرته وهو يسحبها في طريقه الى داره ..
في حجرة الصالون كان اللقاء ودار الحديث، لا شك أن اللوحة المثبتة بالجدار كانت رائعة. لفتاة جميلة في السادسة أو السابعة من عمرها. تحمل بين يديها باقة من زهور البنفسج ، وهى واقفة بابتسامتها الطفولية الرائقة الخلابة على اعلي درجة سلم لقصر ، وكأنها تستقبل الأيام .. دوت بالمنزل زغرودة .. على ما يبدوا أنها ( الزغرودة ) لشابة في العشرين من عمرها.. مد "محفوظ بن عم الشيخ عبد الواحد سلامة" يده فخطف زجاجة مشروب البرتقال وهو يغازلها ، أما نواره فقد انصرفت عنه، وقامت بتوزيع باقي الزجاجات على الحضور، ثم قرؤوا جميعا الفاتحة ..
العودة
ــــــــــــــــ
(1)
حزم أمتعته .. أعاد قراءة الرسالة .. "والدك توفى . الباقية في حياتك.عمك.." .. احد أصدقائه قد حجز له تذكرة الطيران.. تفحص الحقائب ليطمئن انه لم ينس شيئا .. استقر رأيه على ألا يعود ثانية.. ليس ذلك بسبب وفاة والده .. كثيرا ما فكر في العودة إلى وطنه.." اهو الواحد يتجوز ويستقر. كفاية كده غربة. ثماني سنوات. كفاية قوى. قوى .. الله يخرب بيتك يا والدي. أنت السبب في كل اللي بـ يجرى لي.. بعت أرضك حته بعد حته، وارض امى كمان.. " لا شك انه قد انتبه لما يجول بخاطره، فشعر بالخذي فليس ذلك وقته.. بكى .. " الله يرحمك يا والدي. الله يرحمك .." في جد وهمة ونشاط وظف خليل ابن عم " حسونة المواردى" نفسه لخدمته ومعاونته في كل صغيرة وكبيرة ، وكأنه يعتذر له عما كان يفعله ، وكثيرا ما كان متهما بالتجسس وخيانة الأمانة ونكران الجميل .. " معلش أنا عارف إن الظرف صعب . أدى الفلوس لـ امراتى في ايدها .. قل لها تمسك ايدها في المصاريف شوية .. " .. أما" خلف" فقد تصنّع الحزن.. كان انصرافه عنهما واضح تماما "علىّ النعمة أنت الاتنين العن من بعض.. واحد فردة بلغة، والتاني جلدة ومعفن.. بخل الدنيا فيه .. عشان القرش يبيع أمه.." كان " خلف " يعرف طبيعة العلاقة بين "مدحت" ووالده عم "سليمان السعدي".. السكر والخمر والحشيش والنسوان..إذ كان"مدحت" أو هو قد تعود الإفراط في الكلام عن والده وسهراته وصولاته وجولاته .. "علىّ النعمة ما كانت تعصى عليه مرة في الدنيا .." .. تشاغل "خلف" بكىّ ملابسه والدوران حول ترابيزة المكواة خشية أن يرى واحد منهما تلك الابتسامات التي تفلت منه بين وقت وآخر. أما " مدحت " فقد استسلم لحديث الصمت .. " الفلوس في البنك، والدار انبنت.. كده عال قوى .. اهو الواحد يتجوز ويهيص ويعيش حياته.. ملعون أبو الدنيا.. آه . فعلا . هو ده الصح . مظبوط .. اشترى تكتك.. يا سلام . الفلوس تنزل ترف.. " وكلما تذكر والده بكى وازرف الدموع حارة عليه، فيجدّ كل من "خلف" و "خليل" في تطيب خاطره.. الدوام لله .. وحد الله .. أنت مؤمن وعارف ربنا، والدك الله يرحمه ربنا اختاره.. اقرأ له الفاحة ، فيقرؤون الفاتحة ليعود "مدحت " إلى أحلامه وطموحاته وآماله ومشاريعه .. " يعنى هو التكتك يجيب كام في اليوم؟ قول 40 جنيه.. يصرف له 10 .. يتفضل معي 30 جنيه .. ياه .. 30 جنيه في اليوم .. عال . عال قوى .. قول 30 جنيه في اليوم في 30 يوم يعنى 900 جنيه فى الشهر،على فوايد البنك..الواحد يعيش ملك.. 100 فل و10، فرصة. أتجوز أتخنها بنت في البلد ، ومن أحسنها عيلة ، أهم حاجة في الدنيا أنها تكون حلوة . قمر.. لازم تكون بنت ما جابتها ولادة .."
استقبلته أمه "عنايات" .. بقيايا امرأة .. الجلباب الأسود لزوم الحداد .. غائرة العينين.. رأسها ملفوف بطرحة سوداء انزلقت من على رأسها ، وهى تضمه في حضنها وتعصره ، وكأنها تخرج منه أيامها الخوالي ، لم تره منذ ثماني سنوات ، وكادت أن تفقد الأمل.. ماتت "عنايات " ثلاث مرات أو أربع .. السكر وضغط الدم قد أجهزا عليها .. بان شعر رأسها الأبيض الذي فعل به الزمن ما يفعله الخريف بالأشجار عادة.. لم يشعر " مدحت " بحنان أمه، وكأنه في أحضان امرأة من البلاستيك اليابس.. لم تكن قبلاته لها كقبلاتها له، فهي أشبه بتلك القبلات التي يتبادلها السياسيون عادة في الحفلات الرسمية، لزوم التصوير والكاميرات، أولإخفاء مشاعرهم ونواياهم الحقيقية .. دخل " مدحت " في زفة .. أولاد شقيقتيه "خيرية" و "نجاح".. كانت خالته "سوميه" في استقباله، وقد أمطرته هي الأخرى بالقبل الغزيرة .. قالت له أمه: " خالتك سوميه.. " وكأنها تذكره بشيء لم يسمع عنه من قبل ، ولكنه تذكر .. فاهتزت رأسه على رقبته.. بقوة شعرت خالته "سوميه" بفتور استقباله لها، فقالت له وكأنها تعاتبه أو توبخه: " يوه !!؟ أنت نسيت خالتك يا مدحت ؟!!" بلا مبالاة رمقها بنظرة ذات معنى ومغزى ، فأيقنت أن خطتها قد باظت .. انصرفت .. " فقرى و حـ تفضل طول عمرك فقرى .." .. تتابعت عليه الذكريات وتوالت كشريط سينما : "ماهى" أو " مها " طلقها زوجها منذ ثلاث سنوات تقريبا .. بدأت العلاقة بينهما وهم صغار ، كان " مدحت " في الاعدادى ، أما "ماهى " فكانت في الصف الخامس الابتدائي تقريبا .. التحق مدحت بكلية الحقوق .. كان في السنة الثالثة عندما تقدم لخطبتها .. تلاعبت به خالته لمدة عامين .. كان بتصورها أو هي تأمل في زواجها من طبيب مثلا ، وكثيرا ما كانت خالته "سوميه " تشعره بالدونية أو نظرة التعالي عليه، وكثيرا ما كانت أمه "عنايات" تتشكك في سلوك شقيقتها ، وهى لا تخفى ذلك .." يا مدحت يا ابني خالتك دى أنا عارفاها . صايعة . عارف يعنى إيه صايعة؟! يا ابني دى اختى وأنا عارفاها.." فكره أمه وكره خالته ..
كان الوقت متأخرا عندما اصطحبه خاله " محروس " ليريه بيته الجديد .. سارا مخلفين من ورائهما الحارة الضيقة والتي تميزها تلك الدور القديمة المتآكلة ذات الأبواب الغائرة في الأرض ، والنوافذ المائلة ناحية اليمين وأخرى ناحية الشمال ، فيرى مرتادو الحارة من بالدار وما فيها من أسرة أو مقاعد متهالكة .. انعطفا ليستقبلا الشارع الرئيسي .. على ما يبدو أن أهل المدينة قد استسلموا للنوم . الوقت متأخر .. سيارة تمرق.. بعض من الشباب يمر من هنا أو من هناك .. لا شك أنهم في طريقهم إلى بيوتهم ، أو إلى أماكن مجهولة عادة ما تكون مذوية في إحدى الحارات الجانبية المتوارية في الظلام أو الضوء الخافت ، وكأنه يتستر عليها.. دكانة "رضا الليوى" مفتوحة ينبعث منها الضوء الخافت من لمبة كهربية ضربت عليها الذلة والمسكنة .. سارا بخطا وئيدة ، وكان مدحت يتلفت من حوله ، يتفحص الأشياء ومداخل الحارات والعمارات .. " ياه !! كل شيء تغير .. " فعلق خاله محروس وكأنه يؤكد حقيقة : "8 سنين مش شوية يا مدحت.. " ، وهما يواصلان سيرهما قال محروس : "بنت خالتك اطلّقت .. " قال ذلك بلهجة الاستعطاف والندم .. أدرك مدحت مغزى كلماته ، فسأله : " قل لي يا خالي ، هو السيراميك كلفنا كام؟ " فرد خاله باقتضاب وبشيء من الضيق: " والورق مع أمك .. " .. تدخل الصمت ليشملهما .. واصلا سيرهما ، انعطفا ناحية اليسار حيث شارع أبو بكر الصديق ومنه إلى شارع المحكمة ، السيبرات لا تزال مفتوحة ، تنبعث منها بعض الأصوات ودخان السجائر.. دخلا الشارع الذي يتواجد به المبنى.. نبهه خاله محروس وهو يشير بإصبعه ويده الممدودة: " البيت الثالث .." .. أحس مدحت بفرح شديد .. وقفا أمام البيت ، ناوله خاله المفتاح وهو يقول له : " سمّ . سمّ .. " .. أدار مدحت المفتاح في القفل الضخم ، فتحدث السلسلة الحديدية صوتها المزعج من أثر الاحتكاك بقضبان البوابة الحديد..
(2)
للفلوس بريقها الخاص ، فهي بوابة الدنيا والمتعة والمنفعة المتبادلة .. مفتاح الأبواب الموصدة .. لا شك . فكان الاستقبال بحجم المبلغ ، أو لسبب آخر.. خمسة آلاف ريال .. كانت "صبوحة" أو " صباح " تعلم أن المبلغ في الطريق إليها مع "مدحت " ، فاستعدت لاستقباله بما يتناسب وما يحمله .. استنفذت عملية البناء ومن قبلها شراء الأرض كل ما كان بحوزة "خليل" من مال، فاضطرت " صبوحة " للاستدانة وعمل "الجمعيات "، إما لاستكمال المبنى أو سداد ما عليها من ديون، كما أنها كانت مسرفة بدرجة كبيرة.. أدوات الماكياج .. الفساتين أشكال وألوان .. قمصان النوم الغالية الثمن والأرواب الملعلة.. تسريحة الشعر والكوافير، والطرح آخر موضه ، وكثرا ما كانت حماتها " سيده " ما تنتقدها وتهاجمها لحد المرمطة ، مثلما تفعل شعوب الغرب مع حكوماتهم أو بحكوماتهم .. " الله يخيبك مرة من دون النسوان .. والنبي لـ م خلّياه يطلقك . بس لما يجى ابن الشرموطة .. " ليس ذلك فحسب ، بل لسبب آخر أكثر وجاهة ، وهو كثرة زياراتها لامها " باتعة " اللي بـ تستهبلها وتاخد منها فلوس الولد الغلبان الشقيان في بلاد الغربة ، فكثيرا ما كانت " سيدة " تقول ذلك . تقول ذلك ومثله ، وأسوأ منه : " لما نشوفوا آخرتها .. اتقصّعى يا بيضة في أيامك السودة .. لبسنا العرارى . جرسونا في البراري .." وكانت " صبوحة " تستمع إلى هذا الكلام فتنفجر بالضحك والاستهزاء والسخرية من حماتها : " .. يوه يا سيّوده !! يطلقني !!؟ والعيلين الغلابة دول!؟ تقعدي انت بيهم !؟؟ دا انت برش ناسيه صاحبه في سوق اللي ببلاش .. " .. " آه منك يا فاجرة يا بنت باتعة .. انت حد يقدرك !؟ " فترد عليها صبوحة : " طيب . لما انت عارفه كده . مش أحسن تلمي نفسك ، وتلمي لسانك اللي عامل زى التعبان ده ، وتتكتمي في قلبك . مش أحسن برده ؟! مالها باتعة يا روح أمك ؟؟!"
استقبلته .. ناولها المبلغ والخطاب .. اخفت الفلوس في عبها ، أما الخطاب ففتحته وراحت تقرأه ، أما مدحت فجالس هو على الكنبة البلدي يقشر الموز ويلتهمه مستعينا بمشروب الكوكاكولا .. لا شك انه يتمنى أن تطول قراءتها للخطاب للفجر أو لأسبوع مثلا، فعينه تلتهمها التهاما .. " الله يخرب بيتك وبيت أمك وبيت ليلتك السودة اللي مش ح تعدى على خير .. دى انت مش جميلة وبس . دا انت حوسة جمال .. " انزلقت الطرحة النبيتى الشفافة من على رأسها اثر حركة انفعالية تعبر بها عن غضبها واستيائها من الكلمات المكتوبة .. " انت عارفه ان انا تعبان طول النهار في الشغل ومهدود حيلي . لمي نفسك شوية .. أنا خلاص .. خلّى بالك من امى ، وحطيها في نن عنيكى .. " .. الله يخرب بيتك على بيت أمك.. اهى وقعة سوده والسلام .. لاحظ مدحت أنها قد فرغت من قراءة الخطاب ، فقال وكأن لا شيء يعنيه : " بـ يسلم عليك .. " فردت بغلب وانكسار:" ما هو واضح .." .. واضح انك مش على بعضك. ليلتك سوده أنت الآخر.. عينك تندب فيها رصاصة .. ضحكت أو تضاحكت .. ظن مدحت أن بالخطاب ما يستدعى ذلك ، فضحك هو الآخر .. كان اللقاء تحت المراقبة . مراقبة حماتها " سيّوده " التي سألتها بلهفة تطمئن على ولدها : " هه . ازّى حاله ؟؟ " فقالت "صبوحة" وهى ترقص رأسها ليتماوج شعرها ويتهدل بشكل سافر ومتعمد : " هـء . عال قوى يا حماتي .. حلو .." ، لم تستطع " صبوحة" التخلص من حماتها أو تفلت من المراقبة ، فاستأذنت لتنصرف إلى حيث حجرتها وولديها " شوقي" و "نعمة" النائمين في السرير .. فتحت درج الكومدينو.. أخرجت منه ورقة وقلما ، ثم عادت إلى حيث يجلسان : مدحت وحماتها .. فردت الورقة ثم مرت بالقلم علي سطر فيها وكتبت : " بكره قابلني عند امى ضروري .." .. أعطت " صبوحة" الورقة لمدحت غير مطوية ليقع بصره على الكلمات ، ولم تعطه اى فرصة، إذ قالت له مباشرة ودون مقدمات : " لما إن شاء الله تسافر أدّيها لـ خليل " ، فسألتها حماتها من باب التوكيد : "انت سلمتى لي عليه ؟" فقالت "صبوحة" مؤكدة لها : " طبعا . طبعا يا حماتي . معقول أنا أنسى حاجة زى دى !!؟"
(3)
كانت أنفاسها ، المختلطة بأنفاسه ، حارة بحرارة القبل الساخنة الهمجية الماجنة ، وهى بين ذراعيه يضمها بقوة طاغية إلى صدره العريض ، وساعديه المفتولتين تعصرها عصرا ، وكأنه تعمد أن يدخلها في بدنه كله أو في كيانه الجائع الشره والمتعطش ، تماسكت ، ولم تتأوه رغم عضّاته ، وشفتاها اللتان كادتا أن تتمزق بين أسنانه وشفتيه الطائشة .. بلطف وعذوبة، وهى تتلوى كثعبان مطمئن أنه لن يطارده احد ، قالت له بصوتها الناعم الأملس كالحرير والمستجيب تماما لرغبتها المجنونة والمحمومة ونزقها الأهوج ، قالت له وكأنها تحرضه عليها أو تتحرش به فتحثه وتشجعه بلهجة التنبيه إلى ما يحدثه من الم برأسها اثر عبثه المفرط بشعرها .. " نفسي تبطل جنون . أنت عايز تموتنى وخلاص .. " .. " إن شا الله أنا .. " وكثيرا ما كانت تترجاه في ساعة الاسترخاء أن يترفق بها : " .. أنت بـ تبهدلني .. أنا مش حمل كده .. " فيعود إليها كثور هائج ، فتستسلم وهى مطلقة له عينيها ليغرق في هذا العالم الساحر المجنون .. فتتسع الحدقات فيحملق : " ياه يا مرة يا بنت الوسخة .. " فيرف قلبها وتضحك بكل جسدها الفاتن، فيرتعد، الجسد منها، بنشوة بالغة ولذة المحاربين السفهاء ساعة الانتصار الزائف المقيت..
اتفقا على اللقاءات .. مرتين في الأسبوع ، على أن يكون الدخول من باب الزريبة اللي في السرب الخلفي .. كانت تفوح الزريبة بأطيب الروائح والعطور وافخر أنواعها.. سألتها ، على غير العادة ، حماتها : " أمك أزيها ؟ وعاملة إيه ؟ " فردت باقتضاب وباستغراب وارتباك ملحوظ إلى حد ما : " كويسة " ثم قالت " سيّوده " : " نفسي أزورها . واحشانى قوى .. " ظهر الارتباك عليها (على صبوحة) مما جعل حماتها توضح لها الأمر : " أنا ما كنتش اعرف أن أمك كريمة للدرجة دى .. بصراحة ، والحق يقال ، كتر ألف خيرها أنها تساعدنا في الظروف اللي زى دى .. " ثم سألتها : "هو خليل بـ يبعت لك فلوس ؟ " فقالت " صبوحة " بتودد : " يا حماتي م انت عارفه البير وغطاه .. المصاريف زى الهم على القلب ، وديوننا كتير .. " فعلقت الحماة بإشفاق: " اصبري يا بنتي. هانت .. واهو البركة في أمك .. "
(4)
فيلا "خليل حسونة الماوردى" حديث الناس في المدينة .. البوابة الحديد ذات القضبان السوداء بحلياتها الذهبية، بعرض مترين ونصف المتر ، وارتفاعها ثلاثة أمتار .. الذين قاموا بعملية البناء والتشطيب من الإسكندرية .. أسطوات أيدهم تتلف في حرير .. ثلاثة طوابق على مساحة مائتين وخمسين مترا.. بعثت صبوحة برسالة إلى "خليل" تتعجل حضوره لافتتاح الفيلا .. " احضر حالا . الفيلا تمام " .. ضغطت على المفتاح .. تم استلام الرسالة .. " سأحضر في اقرب وقت " .. رد عليها ، فقالت في نفسها ، وكأنها تطالب القدر تنفيذ ما تتمناه : " لو تقع بك الطيارة .. " ثم رفعت كفيها إلى السماء مبتهلة ضارعة : " يا رب . يا رب .. خد الاتنين يا رب .. خليل ابن سيدة ومدحت ابن عنايات .. يا رب خدهم .. "
( 5 )
ترددت في المدينة شائعة قوية .. رددتها ولاكتها كل الألسنة تقريبا ، مفادها : " المرة الفاجرة اللي ما تتسمى صبوحة ح تتجوز الولد مدحت وح تعيش معه في الفيلا .. " .. علقت سيّوده : " ناس وسخة .. "
كان الزحام شديدا .. الرجال والنساء والسيدات والبنات والشباب والأولاد .. الأمسية التي يتحقق الحلم فيها هي الأمسية التي تلفت نظر الناس ؛ لانها تعطيهم الأمل في الحياة ، أو هم يشعرون أن الحياة تستحق أن تعاش ، مثل ليلة الزفاف مثلا أو ليلة العيد .. امتدت السهرة إلى ما بعد الثالثة صباحا .. السيّيط . المواويل .. رقص الشباب والبنات .. الموائد وكل صنوف الطعام والشراب حتى الحشيش وخمر الكؤوس ودق الطبول المدوي يرج المكان ، والأنوار الساطعة من خليط . الأصفر في الأحمر في الأخضر في الأزرق في مجون الزراغيد وأصوات الغناء والضجيج .. كانت الفيلا تحت ضوء الكشّافات القوية كسفينة عائمة في الالق المبهر الأخاذ أو هي كتلة من الضوء الباهر يأخذ بالألباب ، فتحدث في النفس النشوة والبهجة والسعادة الغامرة .. ليلة، وقف "مدحت " متحسرا.. " الأنجاس. الأنجاس. الأنجاس.. " .. أيقن ألا مكان له فقرر الرحيل .. تذكر والده . فقرأ الفاتحة ..
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الرحيل
ــــــــــــــــــــــــ
وقفت. تلفتت من حولها. على الحجر المركون قعدت وهى تدير رأسها ببطء شديد .. كان وجهها مرفوعا إلى أعلى قليلا، وكأنها تتطلع إلى شيء أو تبحث عن شيء .. الحقول الخضراء من أمامها مترامية. الأشجار متناثرة، وكأنها علامات تفصل الملكيّات عن بعضها. هذا غيط عم "محمد " زارع برسيم، وهذا غيط عم "عبد السلام غنيم"زارع أذرة، وهذا غيط ... زارع... تذكرت أيام الدراسة.." نبيلة تزوجت . هنية مخطوبة. نيفين أو نانى كما كانوا يطلقون عليها من باب الدلال كان دمها خفيف. زى العسل .. لم يأت بعد . نسى المعاد!!؟ ممكن . . يا الله .. " انطلقت منها زفرة كانت مكتومة.. تطلعت إلى السماء.. بدأت الشمس يرق نورها .. تذكرت أول مرة رأته فيها.. قالت لها "نانى" وكأنها تحرضها، وهى تشير إليه بخبث البنات : " الولد اللي هناك ده بـ يموت فيك " فقالت لها وهى تحوّل بصرها باتجاهه : " بطلي يا بنت .." تمنت أن تحادثه. تمنت أن تقول له : " وأنا كمان " .. بدأ الشيخ "عبد الواحد سلامة" يعد العدة لسحب بقرته، وهو يتهيأ لاعتلاء ظهر حمارته المسكينة. كان يعرف ذلك ، فتعامل معها برفق.. " هانت. هانت. بكرة ربنا يسهل وأبيعك واشترى واحدة غيرك.." ألقى بتحية المساء عليها: " مساء الخير يا نواره " فردّت عليه نواره : " مسّاك الله بكل خير يا عم الشيخ"، ثم قالت وكأنها تداعبه: "أنت إن شاء الله مروّح !؟ ".. " أيوه يا بنتي.. المغرب قرّب "، وكأنه يحثها أو ينبهها إلى جلستها الغير مناسبة في هذا التوقيت.. "الشيخ عبد الواحد سلامة " رجل طيب لا يعرف القراءة أو الكتابة .. يمتلك نصف فدان في حوض يعقوب البحري. جاوز الستين من عمره، وكانت داره تفصلها عن دار "نواره"محل عم"حسونه المواردى" ودكانة عم "حسنى يس " ..
ساورتها الهموم ، وطيرت النوم من عينيها: "الله يخرب بيتك زى م أنت محيرنى .. أنا مش عارفه أنت عايز إيه؟! حب وحبناك. مقابلة و100 مرة قابلناك، فضيحة، وانفضحنا في كل الدنيا!! طيب عايز إيه تانى؟؟! سألتها أمها: وأخرتها؟؟!
انتهت نواره من إعداد الطعام، وأيضا، أمها "فوز" أو "فوزية " قد فرغت من عمل الواجب اليومي. خبزت. كنست الدار. بطلت رغى مع الجيران، وعند عودة "عوض" ساعدته في ربط البهائم في الزريبة.. همّ أن يغتسل فدخل الحمام الجديد ذي الأرضية السيراميك اللبني والحوائط القيشاني والدش المعلق.. تناولوا العشاء.." افتحي لنا التليفزيون يا فوز".. فتحت "فوز" التليفزيون الملون، ثم انصرفت تصنع الشاي في المطبخ.. الفيلم لم يرق لـ "مصطفى " فغير القناة. تبرم "عبد المنعم" وبدا الاستياء واضحا على وجهه .. " يعنى عايز إيه في ليلتك السوده دى؟؟ " " هات الماتش " " الله يخرب بيتك على بيت الماتشات.. أنت ما بتزهقش!!؟".. بلهجة الاستعطاف قال له والده "عوض" : " هات له الماتش يا مصطفى يا ابني وريّحنا .." أما نواره فكانت تتوق إلى سماع فيلم "حب البنات"، فقالت برجاء: "هات لنا فيلم أحسن.." جلس أفراد الأسرة في حجرة الكنب العربي، والذي حل محل الحصر النبيتى البلاستيك.." والله زمان!!؟ " فرمته "فوز" بنظرة مثل حدف الطوب، ثم قالت وكأنها توبخه :" قطعت .." والله ما أنا عارفه. هي الدنيا ماشية معي بالمقلوب ليه؟! ابن الوسخة مش عاجبه!! دا أنا ألف من يتمنى ضفري.. الله يقطع الحب وسنينه .. يعنى أنا لو كنت اتجوزت الولد "مسعود " كان زماني معي، على الأقل، ولدين. واللا ولد وبنت. اسمه حلو يا بنت. يا سلام "مدحت".. مادي.. يا انهار ازرق!! لا. مش معقول!! جايز!؟ طيب يا بنت وبعدين؟؟! أعمل أنا إيه؟؟ دى تبقى خيبة تقيله قوى.. يا خسارة سهر الليالي فيك.. آه. يا ابن الكلب يا معفن.. لا يا بنت. الشيطان شاطر. بـ يحبك.. كأن الأرض انشقت وبلعته. راح فين!؟؟ اسأل عليه البنت نانى. أيوه نانى .." .. الشوط الأول انتهى 1/0 .. كانت فرصة .. غير"مصطفى" القناة، وراحوا يشاهدون تمثيلية "أفراح إبليس". " بس . هو كده فعلا .. اقتله واشرب من دمه .. يا لهوى !! اقتله !؟ وأروح أنا في ستين داهية !! "
قالت لها، وكأنها تتذكر: " أنا شوفته تقريبا من شهر .. " .. تململت قليلا في مقعدها ، ثم أطرقت برأسها ثم حدقت في زجاجة الكوكاكولا، وكأنها تتحدث إليها : الأرض بلعته!!؟ .. كان الجو مشجعا للغاية ، ونيفين تتطلع إلى صفحة ماء النهر التي تلمع تحت الضوء المنعكس من اللمبات الكهربية الواقفة على حافة الجسر، وكان الضوء يتكسر بفعل حركة المياه التي تتتابع عليها تيارات الهواء ونسماته.. لا شك أن صوت بائع اللب كان مزعجا لهن: لب يا آنسة ؟ لب ؟ وكأنها استيقظت من نومها . تفرسته ، ثم طلبت منه : " هات لنا بـ نص جنيه .. " ثم تطلعت إلى نيفين قائلة كمن يفرج عن نفسه كربه : " اهو نتسلى .. هات يا ابني .. " فقالت لها صديقتها نيفين بلهجة النصح والإرشاد: "بصراحة يا نواره يا حبيبتي. الحكاية دى شكلها مش نافع .. فكرى أحسن من كده .." أخذت نواره بعض من حب اللب وراحت تقزقز.. قالت في نفسها: " يا ريت كنت اقدر.."
كان الوقت بعد العصر بقليل عندما سألته :" أنت يا عم عبد الواحد مش ح تغير الحماره دى؟! فرد عليها :"دى عشرة عمر يا نواره. لكن ما باليد حيلة. لازم أغيرها . اعمل إيه ؟!" وراح الشيخ"عبد الواحد سلامة" يحكى لها قصة الحمارة .. " يا ترى أنت فين؟! " .. مسحت المكان بعينيها وكأنها موقنة انه مختبئ فيه.. يا سلام يا واد مدحت لما نكونوا كده مع بعض. ح أخليك اسعد إنسان في الدنيا كلها .. بس على شرط الشبكة 200 جرام ،وعايزه أربع أود .. آه . أربعة .. نوم . صالون . جلوس . وسفرة ، وسرير أطفال .. عايزه الستاير لونها بنبي . لا. فستقي أحسن. أيوه.. فستقي .. خللى المبلط يعمل أرضية الحمام سيراميك لونه بني في بيج .. تنبهت إلى أن الشيخ "عبد الواحد سلامة " قد فرغ من حديثه ، ثم انصرف إلى حمارته يركبها وبقرته وهو يسحبها في طريقه الى داره ..
في حجرة الصالون كان اللقاء ودار الحديث، لا شك أن اللوحة المثبتة بالجدار كانت رائعة. لفتاة جميلة في السادسة أو السابعة من عمرها. تحمل بين يديها باقة من زهور البنفسج ، وهى واقفة بابتسامتها الطفولية الرائقة الخلابة على اعلي درجة سلم لقصر ، وكأنها تستقبل الأيام .. دوت بالمنزل زغرودة .. على ما يبدوا أنها ( الزغرودة ) لشابة في العشرين من عمرها.. مد "محفوظ بن عم الشيخ عبد الواحد سلامة" يده فخطف زجاجة مشروب البرتقال وهو يغازلها ، أما نواره فقد انصرفت عنه، وقامت بتوزيع باقي الزجاجات على الحضور، ثم قرؤوا جميعا الفاتحة ..
العودة
ــــــــــــــــ
(1)
حزم أمتعته .. أعاد قراءة الرسالة .. "والدك توفى . الباقية في حياتك.عمك.." .. احد أصدقائه قد حجز له تذكرة الطيران.. تفحص الحقائب ليطمئن انه لم ينس شيئا .. استقر رأيه على ألا يعود ثانية.. ليس ذلك بسبب وفاة والده .. كثيرا ما فكر في العودة إلى وطنه.." اهو الواحد يتجوز ويستقر. كفاية كده غربة. ثماني سنوات. كفاية قوى. قوى .. الله يخرب بيتك يا والدي. أنت السبب في كل اللي بـ يجرى لي.. بعت أرضك حته بعد حته، وارض امى كمان.. " لا شك انه قد انتبه لما يجول بخاطره، فشعر بالخذي فليس ذلك وقته.. بكى .. " الله يرحمك يا والدي. الله يرحمك .." في جد وهمة ونشاط وظف خليل ابن عم " حسونة المواردى" نفسه لخدمته ومعاونته في كل صغيرة وكبيرة ، وكأنه يعتذر له عما كان يفعله ، وكثيرا ما كان متهما بالتجسس وخيانة الأمانة ونكران الجميل .. " معلش أنا عارف إن الظرف صعب . أدى الفلوس لـ امراتى في ايدها .. قل لها تمسك ايدها في المصاريف شوية .. " .. أما" خلف" فقد تصنّع الحزن.. كان انصرافه عنهما واضح تماما "علىّ النعمة أنت الاتنين العن من بعض.. واحد فردة بلغة، والتاني جلدة ومعفن.. بخل الدنيا فيه .. عشان القرش يبيع أمه.." كان " خلف " يعرف طبيعة العلاقة بين "مدحت" ووالده عم "سليمان السعدي".. السكر والخمر والحشيش والنسوان..إذ كان"مدحت" أو هو قد تعود الإفراط في الكلام عن والده وسهراته وصولاته وجولاته .. "علىّ النعمة ما كانت تعصى عليه مرة في الدنيا .." .. تشاغل "خلف" بكىّ ملابسه والدوران حول ترابيزة المكواة خشية أن يرى واحد منهما تلك الابتسامات التي تفلت منه بين وقت وآخر. أما " مدحت " فقد استسلم لحديث الصمت .. " الفلوس في البنك، والدار انبنت.. كده عال قوى .. اهو الواحد يتجوز ويهيص ويعيش حياته.. ملعون أبو الدنيا.. آه . فعلا . هو ده الصح . مظبوط .. اشترى تكتك.. يا سلام . الفلوس تنزل ترف.. " وكلما تذكر والده بكى وازرف الدموع حارة عليه، فيجدّ كل من "خلف" و "خليل" في تطيب خاطره.. الدوام لله .. وحد الله .. أنت مؤمن وعارف ربنا، والدك الله يرحمه ربنا اختاره.. اقرأ له الفاحة ، فيقرؤون الفاتحة ليعود "مدحت " إلى أحلامه وطموحاته وآماله ومشاريعه .. " يعنى هو التكتك يجيب كام في اليوم؟ قول 40 جنيه.. يصرف له 10 .. يتفضل معي 30 جنيه .. ياه .. 30 جنيه في اليوم .. عال . عال قوى .. قول 30 جنيه في اليوم في 30 يوم يعنى 900 جنيه فى الشهر،على فوايد البنك..الواحد يعيش ملك.. 100 فل و10، فرصة. أتجوز أتخنها بنت في البلد ، ومن أحسنها عيلة ، أهم حاجة في الدنيا أنها تكون حلوة . قمر.. لازم تكون بنت ما جابتها ولادة .."
استقبلته أمه "عنايات" .. بقيايا امرأة .. الجلباب الأسود لزوم الحداد .. غائرة العينين.. رأسها ملفوف بطرحة سوداء انزلقت من على رأسها ، وهى تضمه في حضنها وتعصره ، وكأنها تخرج منه أيامها الخوالي ، لم تره منذ ثماني سنوات ، وكادت أن تفقد الأمل.. ماتت "عنايات " ثلاث مرات أو أربع .. السكر وضغط الدم قد أجهزا عليها .. بان شعر رأسها الأبيض الذي فعل به الزمن ما يفعله الخريف بالأشجار عادة.. لم يشعر " مدحت " بحنان أمه، وكأنه في أحضان امرأة من البلاستيك اليابس.. لم تكن قبلاته لها كقبلاتها له، فهي أشبه بتلك القبلات التي يتبادلها السياسيون عادة في الحفلات الرسمية، لزوم التصوير والكاميرات، أولإخفاء مشاعرهم ونواياهم الحقيقية .. دخل " مدحت " في زفة .. أولاد شقيقتيه "خيرية" و "نجاح".. كانت خالته "سوميه" في استقباله، وقد أمطرته هي الأخرى بالقبل الغزيرة .. قالت له أمه: " خالتك سوميه.. " وكأنها تذكره بشيء لم يسمع عنه من قبل ، ولكنه تذكر .. فاهتزت رأسه على رقبته.. بقوة شعرت خالته "سوميه" بفتور استقباله لها، فقالت له وكأنها تعاتبه أو توبخه: " يوه !!؟ أنت نسيت خالتك يا مدحت ؟!!" بلا مبالاة رمقها بنظرة ذات معنى ومغزى ، فأيقنت أن خطتها قد باظت .. انصرفت .. " فقرى و حـ تفضل طول عمرك فقرى .." .. تتابعت عليه الذكريات وتوالت كشريط سينما : "ماهى" أو " مها " طلقها زوجها منذ ثلاث سنوات تقريبا .. بدأت العلاقة بينهما وهم صغار ، كان " مدحت " في الاعدادى ، أما "ماهى " فكانت في الصف الخامس الابتدائي تقريبا .. التحق مدحت بكلية الحقوق .. كان في السنة الثالثة عندما تقدم لخطبتها .. تلاعبت به خالته لمدة عامين .. كان بتصورها أو هي تأمل في زواجها من طبيب مثلا ، وكثيرا ما كانت خالته "سوميه " تشعره بالدونية أو نظرة التعالي عليه، وكثيرا ما كانت أمه "عنايات" تتشكك في سلوك شقيقتها ، وهى لا تخفى ذلك .." يا مدحت يا ابني خالتك دى أنا عارفاها . صايعة . عارف يعنى إيه صايعة؟! يا ابني دى اختى وأنا عارفاها.." فكره أمه وكره خالته ..
كان الوقت متأخرا عندما اصطحبه خاله " محروس " ليريه بيته الجديد .. سارا مخلفين من ورائهما الحارة الضيقة والتي تميزها تلك الدور القديمة المتآكلة ذات الأبواب الغائرة في الأرض ، والنوافذ المائلة ناحية اليمين وأخرى ناحية الشمال ، فيرى مرتادو الحارة من بالدار وما فيها من أسرة أو مقاعد متهالكة .. انعطفا ليستقبلا الشارع الرئيسي .. على ما يبدو أن أهل المدينة قد استسلموا للنوم . الوقت متأخر .. سيارة تمرق.. بعض من الشباب يمر من هنا أو من هناك .. لا شك أنهم في طريقهم إلى بيوتهم ، أو إلى أماكن مجهولة عادة ما تكون مذوية في إحدى الحارات الجانبية المتوارية في الظلام أو الضوء الخافت ، وكأنه يتستر عليها.. دكانة "رضا الليوى" مفتوحة ينبعث منها الضوء الخافت من لمبة كهربية ضربت عليها الذلة والمسكنة .. سارا بخطا وئيدة ، وكان مدحت يتلفت من حوله ، يتفحص الأشياء ومداخل الحارات والعمارات .. " ياه !! كل شيء تغير .. " فعلق خاله محروس وكأنه يؤكد حقيقة : "8 سنين مش شوية يا مدحت.. " ، وهما يواصلان سيرهما قال محروس : "بنت خالتك اطلّقت .. " قال ذلك بلهجة الاستعطاف والندم .. أدرك مدحت مغزى كلماته ، فسأله : " قل لي يا خالي ، هو السيراميك كلفنا كام؟ " فرد خاله باقتضاب وبشيء من الضيق: " والورق مع أمك .. " .. تدخل الصمت ليشملهما .. واصلا سيرهما ، انعطفا ناحية اليسار حيث شارع أبو بكر الصديق ومنه إلى شارع المحكمة ، السيبرات لا تزال مفتوحة ، تنبعث منها بعض الأصوات ودخان السجائر.. دخلا الشارع الذي يتواجد به المبنى.. نبهه خاله محروس وهو يشير بإصبعه ويده الممدودة: " البيت الثالث .." .. أحس مدحت بفرح شديد .. وقفا أمام البيت ، ناوله خاله المفتاح وهو يقول له : " سمّ . سمّ .. " .. أدار مدحت المفتاح في القفل الضخم ، فتحدث السلسلة الحديدية صوتها المزعج من أثر الاحتكاك بقضبان البوابة الحديد..
(2)
للفلوس بريقها الخاص ، فهي بوابة الدنيا والمتعة والمنفعة المتبادلة .. مفتاح الأبواب الموصدة .. لا شك . فكان الاستقبال بحجم المبلغ ، أو لسبب آخر.. خمسة آلاف ريال .. كانت "صبوحة" أو " صباح " تعلم أن المبلغ في الطريق إليها مع "مدحت " ، فاستعدت لاستقباله بما يتناسب وما يحمله .. استنفذت عملية البناء ومن قبلها شراء الأرض كل ما كان بحوزة "خليل" من مال، فاضطرت " صبوحة " للاستدانة وعمل "الجمعيات "، إما لاستكمال المبنى أو سداد ما عليها من ديون، كما أنها كانت مسرفة بدرجة كبيرة.. أدوات الماكياج .. الفساتين أشكال وألوان .. قمصان النوم الغالية الثمن والأرواب الملعلة.. تسريحة الشعر والكوافير، والطرح آخر موضه ، وكثرا ما كانت حماتها " سيده " ما تنتقدها وتهاجمها لحد المرمطة ، مثلما تفعل شعوب الغرب مع حكوماتهم أو بحكوماتهم .. " الله يخيبك مرة من دون النسوان .. والنبي لـ م خلّياه يطلقك . بس لما يجى ابن الشرموطة .. " ليس ذلك فحسب ، بل لسبب آخر أكثر وجاهة ، وهو كثرة زياراتها لامها " باتعة " اللي بـ تستهبلها وتاخد منها فلوس الولد الغلبان الشقيان في بلاد الغربة ، فكثيرا ما كانت " سيدة " تقول ذلك . تقول ذلك ومثله ، وأسوأ منه : " لما نشوفوا آخرتها .. اتقصّعى يا بيضة في أيامك السودة .. لبسنا العرارى . جرسونا في البراري .." وكانت " صبوحة " تستمع إلى هذا الكلام فتنفجر بالضحك والاستهزاء والسخرية من حماتها : " .. يوه يا سيّوده !! يطلقني !!؟ والعيلين الغلابة دول!؟ تقعدي انت بيهم !؟؟ دا انت برش ناسيه صاحبه في سوق اللي ببلاش .. " .. " آه منك يا فاجرة يا بنت باتعة .. انت حد يقدرك !؟ " فترد عليها صبوحة : " طيب . لما انت عارفه كده . مش أحسن تلمي نفسك ، وتلمي لسانك اللي عامل زى التعبان ده ، وتتكتمي في قلبك . مش أحسن برده ؟! مالها باتعة يا روح أمك ؟؟!"
استقبلته .. ناولها المبلغ والخطاب .. اخفت الفلوس في عبها ، أما الخطاب ففتحته وراحت تقرأه ، أما مدحت فجالس هو على الكنبة البلدي يقشر الموز ويلتهمه مستعينا بمشروب الكوكاكولا .. لا شك انه يتمنى أن تطول قراءتها للخطاب للفجر أو لأسبوع مثلا، فعينه تلتهمها التهاما .. " الله يخرب بيتك وبيت أمك وبيت ليلتك السودة اللي مش ح تعدى على خير .. دى انت مش جميلة وبس . دا انت حوسة جمال .. " انزلقت الطرحة النبيتى الشفافة من على رأسها اثر حركة انفعالية تعبر بها عن غضبها واستيائها من الكلمات المكتوبة .. " انت عارفه ان انا تعبان طول النهار في الشغل ومهدود حيلي . لمي نفسك شوية .. أنا خلاص .. خلّى بالك من امى ، وحطيها في نن عنيكى .. " .. الله يخرب بيتك على بيت أمك.. اهى وقعة سوده والسلام .. لاحظ مدحت أنها قد فرغت من قراءة الخطاب ، فقال وكأن لا شيء يعنيه : " بـ يسلم عليك .. " فردت بغلب وانكسار:" ما هو واضح .." .. واضح انك مش على بعضك. ليلتك سوده أنت الآخر.. عينك تندب فيها رصاصة .. ضحكت أو تضاحكت .. ظن مدحت أن بالخطاب ما يستدعى ذلك ، فضحك هو الآخر .. كان اللقاء تحت المراقبة . مراقبة حماتها " سيّوده " التي سألتها بلهفة تطمئن على ولدها : " هه . ازّى حاله ؟؟ " فقالت "صبوحة" وهى ترقص رأسها ليتماوج شعرها ويتهدل بشكل سافر ومتعمد : " هـء . عال قوى يا حماتي .. حلو .." ، لم تستطع " صبوحة" التخلص من حماتها أو تفلت من المراقبة ، فاستأذنت لتنصرف إلى حيث حجرتها وولديها " شوقي" و "نعمة" النائمين في السرير .. فتحت درج الكومدينو.. أخرجت منه ورقة وقلما ، ثم عادت إلى حيث يجلسان : مدحت وحماتها .. فردت الورقة ثم مرت بالقلم علي سطر فيها وكتبت : " بكره قابلني عند امى ضروري .." .. أعطت " صبوحة" الورقة لمدحت غير مطوية ليقع بصره على الكلمات ، ولم تعطه اى فرصة، إذ قالت له مباشرة ودون مقدمات : " لما إن شاء الله تسافر أدّيها لـ خليل " ، فسألتها حماتها من باب التوكيد : "انت سلمتى لي عليه ؟" فقالت "صبوحة" مؤكدة لها : " طبعا . طبعا يا حماتي . معقول أنا أنسى حاجة زى دى !!؟"
(3)
كانت أنفاسها ، المختلطة بأنفاسه ، حارة بحرارة القبل الساخنة الهمجية الماجنة ، وهى بين ذراعيه يضمها بقوة طاغية إلى صدره العريض ، وساعديه المفتولتين تعصرها عصرا ، وكأنه تعمد أن يدخلها في بدنه كله أو في كيانه الجائع الشره والمتعطش ، تماسكت ، ولم تتأوه رغم عضّاته ، وشفتاها اللتان كادتا أن تتمزق بين أسنانه وشفتيه الطائشة .. بلطف وعذوبة، وهى تتلوى كثعبان مطمئن أنه لن يطارده احد ، قالت له بصوتها الناعم الأملس كالحرير والمستجيب تماما لرغبتها المجنونة والمحمومة ونزقها الأهوج ، قالت له وكأنها تحرضه عليها أو تتحرش به فتحثه وتشجعه بلهجة التنبيه إلى ما يحدثه من الم برأسها اثر عبثه المفرط بشعرها .. " نفسي تبطل جنون . أنت عايز تموتنى وخلاص .. " .. " إن شا الله أنا .. " وكثيرا ما كانت تترجاه في ساعة الاسترخاء أن يترفق بها : " .. أنت بـ تبهدلني .. أنا مش حمل كده .. " فيعود إليها كثور هائج ، فتستسلم وهى مطلقة له عينيها ليغرق في هذا العالم الساحر المجنون .. فتتسع الحدقات فيحملق : " ياه يا مرة يا بنت الوسخة .. " فيرف قلبها وتضحك بكل جسدها الفاتن، فيرتعد، الجسد منها، بنشوة بالغة ولذة المحاربين السفهاء ساعة الانتصار الزائف المقيت..
اتفقا على اللقاءات .. مرتين في الأسبوع ، على أن يكون الدخول من باب الزريبة اللي في السرب الخلفي .. كانت تفوح الزريبة بأطيب الروائح والعطور وافخر أنواعها.. سألتها ، على غير العادة ، حماتها : " أمك أزيها ؟ وعاملة إيه ؟ " فردت باقتضاب وباستغراب وارتباك ملحوظ إلى حد ما : " كويسة " ثم قالت " سيّوده " : " نفسي أزورها . واحشانى قوى .. " ظهر الارتباك عليها (على صبوحة) مما جعل حماتها توضح لها الأمر : " أنا ما كنتش اعرف أن أمك كريمة للدرجة دى .. بصراحة ، والحق يقال ، كتر ألف خيرها أنها تساعدنا في الظروف اللي زى دى .. " ثم سألتها : "هو خليل بـ يبعت لك فلوس ؟ " فقالت " صبوحة " بتودد : " يا حماتي م انت عارفه البير وغطاه .. المصاريف زى الهم على القلب ، وديوننا كتير .. " فعلقت الحماة بإشفاق: " اصبري يا بنتي. هانت .. واهو البركة في أمك .. "
(4)
فيلا "خليل حسونة الماوردى" حديث الناس في المدينة .. البوابة الحديد ذات القضبان السوداء بحلياتها الذهبية، بعرض مترين ونصف المتر ، وارتفاعها ثلاثة أمتار .. الذين قاموا بعملية البناء والتشطيب من الإسكندرية .. أسطوات أيدهم تتلف في حرير .. ثلاثة طوابق على مساحة مائتين وخمسين مترا.. بعثت صبوحة برسالة إلى "خليل" تتعجل حضوره لافتتاح الفيلا .. " احضر حالا . الفيلا تمام " .. ضغطت على المفتاح .. تم استلام الرسالة .. " سأحضر في اقرب وقت " .. رد عليها ، فقالت في نفسها ، وكأنها تطالب القدر تنفيذ ما تتمناه : " لو تقع بك الطيارة .. " ثم رفعت كفيها إلى السماء مبتهلة ضارعة : " يا رب . يا رب .. خد الاتنين يا رب .. خليل ابن سيدة ومدحت ابن عنايات .. يا رب خدهم .. "
( 5 )
ترددت في المدينة شائعة قوية .. رددتها ولاكتها كل الألسنة تقريبا ، مفادها : " المرة الفاجرة اللي ما تتسمى صبوحة ح تتجوز الولد مدحت وح تعيش معه في الفيلا .. " .. علقت سيّوده : " ناس وسخة .. "
كان الزحام شديدا .. الرجال والنساء والسيدات والبنات والشباب والأولاد .. الأمسية التي يتحقق الحلم فيها هي الأمسية التي تلفت نظر الناس ؛ لانها تعطيهم الأمل في الحياة ، أو هم يشعرون أن الحياة تستحق أن تعاش ، مثل ليلة الزفاف مثلا أو ليلة العيد .. امتدت السهرة إلى ما بعد الثالثة صباحا .. السيّيط . المواويل .. رقص الشباب والبنات .. الموائد وكل صنوف الطعام والشراب حتى الحشيش وخمر الكؤوس ودق الطبول المدوي يرج المكان ، والأنوار الساطعة من خليط . الأصفر في الأحمر في الأخضر في الأزرق في مجون الزراغيد وأصوات الغناء والضجيج .. كانت الفيلا تحت ضوء الكشّافات القوية كسفينة عائمة في الالق المبهر الأخاذ أو هي كتلة من الضوء الباهر يأخذ بالألباب ، فتحدث في النفس النشوة والبهجة والسعادة الغامرة .. ليلة، وقف "مدحت " متحسرا.. " الأنجاس. الأنجاس. الأنجاس.. " .. أيقن ألا مكان له فقرر الرحيل .. تذكر والده . فقرأ الفاتحة ..
تعليقات
إرسال تعليق