الرأي والـرؤيـة (2)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الرأي عادة ما يكون مقترنا بموضوع محدد، ويعبر عن وجهة نظر معينة ، وهو ( الرأي ) خاضع بالضرورة إلى احتمالية الصواب والخطأ أو التصويب .. الرأي يفتح باب الجدل والنقاش والأخذ والرد ؛ لأنه اجتهاد فرد بشر ، ولا نعرف رأيا قاطعا أو فصلا ، إلا تلك الآراء الفاسدة والتي تودي إلى الجحيم أو ارتكاب أفظع الأعمال فحشا ، وتودي إلى انحرافات كثيرة أو كبيرة ، وما أكثرها في عالم البشر ، والرأي نتاج فكر انسانى أو هو مجموع تجارب وخبرات شخصية أو انفعالات آنية ، مثل أرائنا في مجال التربية والتعليم مثلا ..
أما الرؤية فهي خبرات وتجارب جماعة أو مجموعة من البشر قد اختزنت في ذاكرتهم واستحوذت تفكيرهم ، تلك التجارب والخبرات هي بمثابة المقدمة لمجموعة من "العقليات" التي عادة ما تمثل ما يمكن أن يسمى بمنطلقات الفكر في الإنسان ، مثل الشيوعية ، فهي بمثابة رد فعل لسطوة رأس المال أو الإقطاع ، أو إشكالية الكنيسة في أوربا إبان عصر النهضة ، فنظر إليها كمعوق للنهضة والتقدم وحرية الإنسان ، أو إشكالية الإسلام في أواخر عهد الخلفاء الراشدين ، فنشأ ما عرف بالدولة الأموية ثم الدولة العباسية .. وكلاهما لا يمكن اعتبارهما دولة دينية على اى معنى ، وكرد فعل لنشأة الدولتين بالتعاقب ، نشأت الفرق والنحل والطوائف الدينية : المعتزلة . المرجأة . القدرية. الازارقة .. وقد ظهرت تلك الحالة بقوة في البهائية مثلا ، وهى تعبر عن قوة الرغبة في التغيير حتى في ذات الدين ، فالمصطلحات دينية في الإطار اللاديني ، وهى كلها تصلح كـ "وصف حالة " للصراع بين الأجيال . الصراع بين الماضي بكل رصيده وزخمه وقوته كالشلال الهادر ، وما يمكن أن يسمى بـ "استشراف المستقبل" كما أن الإنسان الفرد أو الإنسان الجماعة عادة ما يتعرض لمعضلات ليس لها حل حتى في الدين نفسه ، مثل المشاكل الزوجية وما يترتب عليها من إنجاب ، فالطلاق ليس بحرام ، والإشكالية فيما يترتب عليه ، أو مسألة العنوسة أو العزوف عن الزواج مثلا ، أو عدد الأولاد ، فمن له ولد واحد وقد أحجم عن الثاني ، فليس ذلك بحرام ، ومن عنده عشرة ، فليس ذلك بحرام ، وليس ، أيضا ، من المعقول أن نثيب أو نكافئ والد الولد الواحد ، وليس من الممكن محاسبة ذي العشرة .. لا يمكن وضع قانون يحدد لنا عدد أفراد الأسرة، أو نضع قانونا يجبر الزوج على حسن معاملة زوجه . لا يمكن ، والإشكالية هنا ليست في الدين بقدر ما هي إشكالية فهم الدين من فرد إلى فرد أو من جماعة إلى جماعة ، ناهيك عن الفجوة / الهوة الواسعة بين سلوك المسلم كانسان / بشر ولغة الخطاب رغم اتساع رقعته بشكل غير مسبوق ، فسلوك المسلم ( بصفة تكاد تكون عامة ) منفصل عن الواقع ، فنحن نتكلم بطريقة ونتصرف بطريقة أخرى ، مما جعل الفعل الانسانى ليس في مستواه الطبيعي ، فالفروق بين الفرد الياباني والمواطن العربي واضحة جدا من حيث فهم الواقع وقدرة التعامل معه وقدرة التأثر به والتأثير فيه ، كما انه لا توجد قاعدة شرعية نستطيع من خلالها ضبط العلاقات مع أمريكا أو الأمم المتحدة . بمعنى أننا لا نستطيع التعامل معهم وفق منهجنا ( القرآن والسنة) ، بل نتعامل معهم وفق منهج القانون الدولي والسياسات المتفق عليها أو السياسات المختلف عليها ، كما أننا عادة ما نخلط بين الدين (الإسلامي) كدين "لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه" والإنسان المسلم الفرد الذي يأتيه (أو هو يأتي به) الباطل من خلفه ومن أمامه ومن تحته ومن فوقه أو يخلقه خلقا فيزرعه ، فليس بالضرورة أن كل مسلم على صواب ، وليس بالضرورة أن يقتنع المسلم نفسه بذلك ، فكلنا على صواب وكلنا لا يخطئ ؛ فكلنا مسلمون ، فكيف نخطئ إذا!!؟.. وعادة ما نخلط وبشكل متعمد بين الإسلام والمسلم ، مما جعل الكثير من المسلمين يميزون أنفسهم عن سائر الناس ، بحجة التأسي برسولنا الكريم ، وكان التأسي بخلقه ( عليه الصلاة والسلام ) أولى وأجدى وانفع ، كأن تتطهر قلوبنا وتصفو لله ـ عز وجل ـ من أن نقصر جلبابا أو نطيل لحية ، كما انه يصعب أو يستحيل التفتيش في قلوب الناس ، فالتقوى محلها القلب ، كما أننا لا نفضل نقد تاريخنا أو أحوالنا بحجة / تحت شعار الحفاظ على قدسية الدين ، والدين مما نفعله بالدين نفسه بريء .. فمن ليس له ميكروفونا فليشترى له ميكروفونا ، ومن ليس له قناة فليشترى له قناة أو يستأجر ، فالله الذي أتكلم عنه أنا غير الله الذي تتكلم عنه أنت ، والرسول الذي اتبعه أنا غير الرسول الذي تتبعه أنت ، وفى مصر دين ومسلمون ، وفى السعودية دين ومسلمون ، وفى تركيا دين ومسلمون، وفى إيران دين ومسلمون ، وفى البلد المسلم الواحد تعددت الإسلامات، فهذا سني وذاك شيعي والآخر شاذلى والرابع اخوانى وخامس سلفي ، وقد حولنا الدين إلى زى نتزى به عند الضرورة وفى المناسبات السعيدة .. مثل ماتشات الكورة ، فكلنا يشجع الفريق الذي يهواه ويميل إليه ، ويمقت الفريق الآخر ، وإلا اعتبر غير ذلك خيانة أو جبن.. والدين أولى بان نناصره على طريقة المشجعين الهواة أو المحترفين.. وقد نسينا قول الله ( سبحانه وتعالى ) " إنما النصر من عند الله " .. " وان تنصروا الله ينصركم " فنصرنا ( بسكون الراء) الله (عز وجل) بالفرقة والتفرق وهذا التشتت الذي لا أول له ولا آخر.. تحول الإسلام إلى وجهة نظر، مثل السياسة أو القضايا الفكرية، وتحول الدين بيننا إلى عامل فرقة وتفرق وتشتيت في الفعل وفى الذهن وفى الأثر والمردود..
الرأي والرؤية.. تقوم / تنبني الرؤية على ما تختزنه الجماعة البشرية من خبرات وتجارب ، على أن تصلح (تلك الخبرات والتجارب ) كمقدمة بنائية ( يمكن البناء عليها) في الاتجاه الموجب ، والذي يعود على الأفراد بالنفع وصلاح أحوالهم ، كتصحيح / تصويب مسار الاقتصاد في الدولة ، لاعتبار المتغير الدولي (الظروف) وكذا الاهتمام بقوة الدولة لصيانتها وحمايتها حتى لو لم تكن الأخطار متوقعة أو محتملة .. " الضعف عادة ما يغرى بالاعتداء " .. الحساب الدقيق لمجموع العناصر الفاعلة سلبا في المجتمع ، ومقارنتها بمجموع العناصر الفاعلة إيجابا ، فالغش مثلا أو السرقة ، هل هي الطاغية أو السائدة في المجتمع ؟ فما هي وسائل الحد منها كظاهرة ؟، ويأتي هنا ما يسمى بالتهويل .. فالظاهرة طبيعية وعادية ، وتفاقمها هو الغير عادى وينذر بالخطر .. من الخطأ اعتماد مبدأ " الغاية تبرر الوسيلة " ؛ لانها مقوضة على المدى المتوسط والبعيد ، والأنفع للأمة هو " الاحتمالات المتوقعة " و " الاحتمال الأرجح " كتوقي الأخطار ، وكيفية وضع الخطط / السيناريوهات للتعامل معها ، ولا نغفل هنا قيمة العقل البشرى للجماعة ، وقدرته على رؤية ما بعد اللحظة ، وهنا ننوه ، كلما كان المؤشر الجماعي موجبا فعادة ما تكون النتائج أفضل ، ونوضح : فلو كان المؤشر الجماعي موجبا في العراق ، لما حدث غزو الكويت مثلا ، ولو كان المؤشر الجماعي في إسرائيل موجبا لحلت مشكلة الشرق الأوسط من سنوات طوال ، ولو كان المؤشر الجماعي في أوربا موجبا لما وقعت الحربين الأولى والثانية ، ومن ثم فالجماعة تخطئ مثلما يخطئ الأفراد ، وترتكب من الأخطاء الشنيعة ما يرتكبه الأفراد ، والفرق في المؤشر الجماعي ، وعادة ما تقوم السلطة بعمليات تضليل واسعة لاجتذاب هذا المؤشر لصالح أطماعها ونزعاتها ، مثل غزو الأمريكان للعراق مثلا ..
الرأي والرؤية.. ما لم يشتق/ يعتمد الرأي على رؤية فعادة ما يكون ضعيفا أو قاصرا ، ولكنه بالضرورة مفيد للغاية ، لان الرأي بصفة عامة ، حتى وان كان خطأ ، فهو يمثل لبنة في بنائية الرؤية ، مثل الصورة ومفرداتها وألوانها ، فلا نفهم صورة بلا مفردات ، على أن تكون تلك المفردات واضحة ومعقولة ( كلاسيكية للغاية ) ومن ثم لا يجوز استخدام الطوب الوهمي أو حديد الخيال مهما كان خصبا .. مثل بناء العمارات الضخمة مثلا ، فهي ليست من صنع الشعراء .. ومن الأخطاء التي تقع فيها السلطة هي نفى الآخر ، فليس من السياسة أن نتجاهل حساب القوى الخارجية و المؤثرة بقوة على ذات الأمة ، فلا ينفصل الفعل السياسي للدولة عن الفعل السياسي الدولي العام ، حتى وان كان على الخطأ ، مثل قضية فلسطين وموقف حماس ، فإشكالية حماس تكمن في عملية الانفصال ، مثلها في ذلك مثل سائر الجماعات الإسلامية ، وذلك مما يجعلها ضعيفة جدا في الأداء السياسي أو في لغة الخطاب ، رغم عدالة القضية للأحقية ، وهنا ننوه إلى أهمية تغيير لغة الخطاب الديني والبعد ما أمكن عن ثقافة الموت والعمل الدءوب على بناء القصور في الجنة ، فسبحان الله الذي خلقنا لأعمار الأرض ، وعبادته عليها ، فلأعمار الأرض أدواته ، ولعبادة الله (سبحانه وتعالى ) المجال الرحب الواسع ، وما من عبد خلقه الله ـ عز وجل ـ إلا وبينه وبين الله سر لا يعلمه إلا علام الغيوب ، فمهما تغنى الإنسان بإسلامه ، فنقول : الله اعلم ، وليس ذلك للتشكيك ، ولكنها الحقيقة " لا تزكوا أنفسكم الله اعلم بمن اتقى .." ، ولا ولاية لعبد على عبد من عباد الله بصفة قاطعة ، حتى وان كان على الخطأ ، إلا من أتى بخطأ يترتب عليه ضرر بالآخر أو الجماعة ، فالولاية لمن تولى ( السلطة أو من يمثلها ) ونفرق هنا بين السارق والإرشاد عنه ، ومعاقبته ومحاسبته .. وإلا سارت الأمور إلى فوضى أو انتشار الرعب والفزع بين الناس..
الرأي والرؤية.. من اكبر إشكاليات المجتمع الاسلامى ، الاعتماد بشكل واضح على إرهاب الكلمة ، وتلك محسوبة على الإسلام كدين من وجهة نظر الآخر .. إرهاب الكلمة .. كعبارات التهكم والاستهزاء والسخرية والتطاول والازدراء ، فذلك الخطاب إنما يدل على الفلس وضحالة الفكر وقصر النظر ، وليس ذلك من الإسلام في شيء ، فما أعظم كلام الله ( عز وجل ) وما أروع كلام رسولنا الكريم ، وحسن الكلام من حسن الخلق ، وحسن الخلق من حسن الدين .. " ولا يسخر قوم من قوم ... "
الرأي والرؤية .. لا شك ( وفى الغالب الأعم ) أننا هنا في مصر تحديدا ، بين اثنتين : اعلامى يجعلك تكره الدنيا . وخطيب يجعلك تكره الدنيا والآخرة معا ..
وللمقال بقية ..
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الرأي عادة ما يكون مقترنا بموضوع محدد، ويعبر عن وجهة نظر معينة ، وهو ( الرأي ) خاضع بالضرورة إلى احتمالية الصواب والخطأ أو التصويب .. الرأي يفتح باب الجدل والنقاش والأخذ والرد ؛ لأنه اجتهاد فرد بشر ، ولا نعرف رأيا قاطعا أو فصلا ، إلا تلك الآراء الفاسدة والتي تودي إلى الجحيم أو ارتكاب أفظع الأعمال فحشا ، وتودي إلى انحرافات كثيرة أو كبيرة ، وما أكثرها في عالم البشر ، والرأي نتاج فكر انسانى أو هو مجموع تجارب وخبرات شخصية أو انفعالات آنية ، مثل أرائنا في مجال التربية والتعليم مثلا ..
أما الرؤية فهي خبرات وتجارب جماعة أو مجموعة من البشر قد اختزنت في ذاكرتهم واستحوذت تفكيرهم ، تلك التجارب والخبرات هي بمثابة المقدمة لمجموعة من "العقليات" التي عادة ما تمثل ما يمكن أن يسمى بمنطلقات الفكر في الإنسان ، مثل الشيوعية ، فهي بمثابة رد فعل لسطوة رأس المال أو الإقطاع ، أو إشكالية الكنيسة في أوربا إبان عصر النهضة ، فنظر إليها كمعوق للنهضة والتقدم وحرية الإنسان ، أو إشكالية الإسلام في أواخر عهد الخلفاء الراشدين ، فنشأ ما عرف بالدولة الأموية ثم الدولة العباسية .. وكلاهما لا يمكن اعتبارهما دولة دينية على اى معنى ، وكرد فعل لنشأة الدولتين بالتعاقب ، نشأت الفرق والنحل والطوائف الدينية : المعتزلة . المرجأة . القدرية. الازارقة .. وقد ظهرت تلك الحالة بقوة في البهائية مثلا ، وهى تعبر عن قوة الرغبة في التغيير حتى في ذات الدين ، فالمصطلحات دينية في الإطار اللاديني ، وهى كلها تصلح كـ "وصف حالة " للصراع بين الأجيال . الصراع بين الماضي بكل رصيده وزخمه وقوته كالشلال الهادر ، وما يمكن أن يسمى بـ "استشراف المستقبل" كما أن الإنسان الفرد أو الإنسان الجماعة عادة ما يتعرض لمعضلات ليس لها حل حتى في الدين نفسه ، مثل المشاكل الزوجية وما يترتب عليها من إنجاب ، فالطلاق ليس بحرام ، والإشكالية فيما يترتب عليه ، أو مسألة العنوسة أو العزوف عن الزواج مثلا ، أو عدد الأولاد ، فمن له ولد واحد وقد أحجم عن الثاني ، فليس ذلك بحرام ، ومن عنده عشرة ، فليس ذلك بحرام ، وليس ، أيضا ، من المعقول أن نثيب أو نكافئ والد الولد الواحد ، وليس من الممكن محاسبة ذي العشرة .. لا يمكن وضع قانون يحدد لنا عدد أفراد الأسرة، أو نضع قانونا يجبر الزوج على حسن معاملة زوجه . لا يمكن ، والإشكالية هنا ليست في الدين بقدر ما هي إشكالية فهم الدين من فرد إلى فرد أو من جماعة إلى جماعة ، ناهيك عن الفجوة / الهوة الواسعة بين سلوك المسلم كانسان / بشر ولغة الخطاب رغم اتساع رقعته بشكل غير مسبوق ، فسلوك المسلم ( بصفة تكاد تكون عامة ) منفصل عن الواقع ، فنحن نتكلم بطريقة ونتصرف بطريقة أخرى ، مما جعل الفعل الانسانى ليس في مستواه الطبيعي ، فالفروق بين الفرد الياباني والمواطن العربي واضحة جدا من حيث فهم الواقع وقدرة التعامل معه وقدرة التأثر به والتأثير فيه ، كما انه لا توجد قاعدة شرعية نستطيع من خلالها ضبط العلاقات مع أمريكا أو الأمم المتحدة . بمعنى أننا لا نستطيع التعامل معهم وفق منهجنا ( القرآن والسنة) ، بل نتعامل معهم وفق منهج القانون الدولي والسياسات المتفق عليها أو السياسات المختلف عليها ، كما أننا عادة ما نخلط بين الدين (الإسلامي) كدين "لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه" والإنسان المسلم الفرد الذي يأتيه (أو هو يأتي به) الباطل من خلفه ومن أمامه ومن تحته ومن فوقه أو يخلقه خلقا فيزرعه ، فليس بالضرورة أن كل مسلم على صواب ، وليس بالضرورة أن يقتنع المسلم نفسه بذلك ، فكلنا على صواب وكلنا لا يخطئ ؛ فكلنا مسلمون ، فكيف نخطئ إذا!!؟.. وعادة ما نخلط وبشكل متعمد بين الإسلام والمسلم ، مما جعل الكثير من المسلمين يميزون أنفسهم عن سائر الناس ، بحجة التأسي برسولنا الكريم ، وكان التأسي بخلقه ( عليه الصلاة والسلام ) أولى وأجدى وانفع ، كأن تتطهر قلوبنا وتصفو لله ـ عز وجل ـ من أن نقصر جلبابا أو نطيل لحية ، كما انه يصعب أو يستحيل التفتيش في قلوب الناس ، فالتقوى محلها القلب ، كما أننا لا نفضل نقد تاريخنا أو أحوالنا بحجة / تحت شعار الحفاظ على قدسية الدين ، والدين مما نفعله بالدين نفسه بريء .. فمن ليس له ميكروفونا فليشترى له ميكروفونا ، ومن ليس له قناة فليشترى له قناة أو يستأجر ، فالله الذي أتكلم عنه أنا غير الله الذي تتكلم عنه أنت ، والرسول الذي اتبعه أنا غير الرسول الذي تتبعه أنت ، وفى مصر دين ومسلمون ، وفى السعودية دين ومسلمون ، وفى تركيا دين ومسلمون، وفى إيران دين ومسلمون ، وفى البلد المسلم الواحد تعددت الإسلامات، فهذا سني وذاك شيعي والآخر شاذلى والرابع اخوانى وخامس سلفي ، وقد حولنا الدين إلى زى نتزى به عند الضرورة وفى المناسبات السعيدة .. مثل ماتشات الكورة ، فكلنا يشجع الفريق الذي يهواه ويميل إليه ، ويمقت الفريق الآخر ، وإلا اعتبر غير ذلك خيانة أو جبن.. والدين أولى بان نناصره على طريقة المشجعين الهواة أو المحترفين.. وقد نسينا قول الله ( سبحانه وتعالى ) " إنما النصر من عند الله " .. " وان تنصروا الله ينصركم " فنصرنا ( بسكون الراء) الله (عز وجل) بالفرقة والتفرق وهذا التشتت الذي لا أول له ولا آخر.. تحول الإسلام إلى وجهة نظر، مثل السياسة أو القضايا الفكرية، وتحول الدين بيننا إلى عامل فرقة وتفرق وتشتيت في الفعل وفى الذهن وفى الأثر والمردود..
الرأي والرؤية.. تقوم / تنبني الرؤية على ما تختزنه الجماعة البشرية من خبرات وتجارب ، على أن تصلح (تلك الخبرات والتجارب ) كمقدمة بنائية ( يمكن البناء عليها) في الاتجاه الموجب ، والذي يعود على الأفراد بالنفع وصلاح أحوالهم ، كتصحيح / تصويب مسار الاقتصاد في الدولة ، لاعتبار المتغير الدولي (الظروف) وكذا الاهتمام بقوة الدولة لصيانتها وحمايتها حتى لو لم تكن الأخطار متوقعة أو محتملة .. " الضعف عادة ما يغرى بالاعتداء " .. الحساب الدقيق لمجموع العناصر الفاعلة سلبا في المجتمع ، ومقارنتها بمجموع العناصر الفاعلة إيجابا ، فالغش مثلا أو السرقة ، هل هي الطاغية أو السائدة في المجتمع ؟ فما هي وسائل الحد منها كظاهرة ؟، ويأتي هنا ما يسمى بالتهويل .. فالظاهرة طبيعية وعادية ، وتفاقمها هو الغير عادى وينذر بالخطر .. من الخطأ اعتماد مبدأ " الغاية تبرر الوسيلة " ؛ لانها مقوضة على المدى المتوسط والبعيد ، والأنفع للأمة هو " الاحتمالات المتوقعة " و " الاحتمال الأرجح " كتوقي الأخطار ، وكيفية وضع الخطط / السيناريوهات للتعامل معها ، ولا نغفل هنا قيمة العقل البشرى للجماعة ، وقدرته على رؤية ما بعد اللحظة ، وهنا ننوه ، كلما كان المؤشر الجماعي موجبا فعادة ما تكون النتائج أفضل ، ونوضح : فلو كان المؤشر الجماعي موجبا في العراق ، لما حدث غزو الكويت مثلا ، ولو كان المؤشر الجماعي في إسرائيل موجبا لحلت مشكلة الشرق الأوسط من سنوات طوال ، ولو كان المؤشر الجماعي في أوربا موجبا لما وقعت الحربين الأولى والثانية ، ومن ثم فالجماعة تخطئ مثلما يخطئ الأفراد ، وترتكب من الأخطاء الشنيعة ما يرتكبه الأفراد ، والفرق في المؤشر الجماعي ، وعادة ما تقوم السلطة بعمليات تضليل واسعة لاجتذاب هذا المؤشر لصالح أطماعها ونزعاتها ، مثل غزو الأمريكان للعراق مثلا ..
الرأي والرؤية.. ما لم يشتق/ يعتمد الرأي على رؤية فعادة ما يكون ضعيفا أو قاصرا ، ولكنه بالضرورة مفيد للغاية ، لان الرأي بصفة عامة ، حتى وان كان خطأ ، فهو يمثل لبنة في بنائية الرؤية ، مثل الصورة ومفرداتها وألوانها ، فلا نفهم صورة بلا مفردات ، على أن تكون تلك المفردات واضحة ومعقولة ( كلاسيكية للغاية ) ومن ثم لا يجوز استخدام الطوب الوهمي أو حديد الخيال مهما كان خصبا .. مثل بناء العمارات الضخمة مثلا ، فهي ليست من صنع الشعراء .. ومن الأخطاء التي تقع فيها السلطة هي نفى الآخر ، فليس من السياسة أن نتجاهل حساب القوى الخارجية و المؤثرة بقوة على ذات الأمة ، فلا ينفصل الفعل السياسي للدولة عن الفعل السياسي الدولي العام ، حتى وان كان على الخطأ ، مثل قضية فلسطين وموقف حماس ، فإشكالية حماس تكمن في عملية الانفصال ، مثلها في ذلك مثل سائر الجماعات الإسلامية ، وذلك مما يجعلها ضعيفة جدا في الأداء السياسي أو في لغة الخطاب ، رغم عدالة القضية للأحقية ، وهنا ننوه إلى أهمية تغيير لغة الخطاب الديني والبعد ما أمكن عن ثقافة الموت والعمل الدءوب على بناء القصور في الجنة ، فسبحان الله الذي خلقنا لأعمار الأرض ، وعبادته عليها ، فلأعمار الأرض أدواته ، ولعبادة الله (سبحانه وتعالى ) المجال الرحب الواسع ، وما من عبد خلقه الله ـ عز وجل ـ إلا وبينه وبين الله سر لا يعلمه إلا علام الغيوب ، فمهما تغنى الإنسان بإسلامه ، فنقول : الله اعلم ، وليس ذلك للتشكيك ، ولكنها الحقيقة " لا تزكوا أنفسكم الله اعلم بمن اتقى .." ، ولا ولاية لعبد على عبد من عباد الله بصفة قاطعة ، حتى وان كان على الخطأ ، إلا من أتى بخطأ يترتب عليه ضرر بالآخر أو الجماعة ، فالولاية لمن تولى ( السلطة أو من يمثلها ) ونفرق هنا بين السارق والإرشاد عنه ، ومعاقبته ومحاسبته .. وإلا سارت الأمور إلى فوضى أو انتشار الرعب والفزع بين الناس..
الرأي والرؤية.. من اكبر إشكاليات المجتمع الاسلامى ، الاعتماد بشكل واضح على إرهاب الكلمة ، وتلك محسوبة على الإسلام كدين من وجهة نظر الآخر .. إرهاب الكلمة .. كعبارات التهكم والاستهزاء والسخرية والتطاول والازدراء ، فذلك الخطاب إنما يدل على الفلس وضحالة الفكر وقصر النظر ، وليس ذلك من الإسلام في شيء ، فما أعظم كلام الله ( عز وجل ) وما أروع كلام رسولنا الكريم ، وحسن الكلام من حسن الخلق ، وحسن الخلق من حسن الدين .. " ولا يسخر قوم من قوم ... "
الرأي والرؤية .. لا شك ( وفى الغالب الأعم ) أننا هنا في مصر تحديدا ، بين اثنتين : اعلامى يجعلك تكره الدنيا . وخطيب يجعلك تكره الدنيا والآخرة معا ..
وللمقال بقية ..
تعليقات
إرسال تعليق