أشياء تائـهة
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
الكنــــز
ـــــــــــــــــــــ
كان يتسمع إلى "نشرة الأخبار" من مذياع الجيران المتسلل صوته إلى أذنيه عبر نافذة الجيران، وهو في طريقه إلى الإدارة الصحية، حيث يعمل موظفا بوحدة الإجازات ، والملحق عليها تلقى طلبات العرض على القومسيون الطبي للحصول على إجازة مرضية، والأستاذ " مسعد" هو المكلف بجمع تلك الطلبات ثم عرضها على السيد مدير الإدارة في موعد غايته الحادية عشرة، ولذلك فقد اعتاد طالبي العرض على القومسيون الطبي أو ذويهم الذهاب إلى الإدارة في ساعة مبكرة من الصباح ..
سار الأستاذ "مسعد" يحمل آلام عمره الذي جاوز الخامسة والأربعين.. سار بخطوات وئيدة يزاحم البقر والجاموس والحمير وزرافات الأغنام والماعز المطعمة بالفلاحين يرعونها ويسحبونها إلى الحقول.. سار يتطلع إلى تلك الجماعات المتدافعة وهى في طريقها إلى مدارس القرية من بنين وبنات في مختلف الأعمار : يا الله !؟ كل هؤلاء؟!! كم رغيفا يأكلون؟! كل هؤلاء يوما سيتزوجون! كم شقة!؟ وكم ولد سينجبون؟!! هيه.. الأرزاق على الله، واهي ماشيه! قفزت إلى ذهنه شيطنة أولاده وكثرة طلباتهم : "كراتيه .. بسكويت .. مصاصة. شيكولاتة .." هز رأسه ، ثم قال في نفسه : " أشياء ما كنا نسمع عنها أو نحلم بها أيام المليم ونبوت الغفير والنعناع .. كلها مشاكل لا تنتهي، و" فوزية " لا تشبع طلبات، ولا تقنع مثل هم الموت.. من أين هذا كله؟! الراتب لا يكفى إلا عدة أيام.." ثم وضع يده في جيبه يطمئن على ثمن كوب الشاي من " البوفيه" .. الحمد لله، ثم تطلع إلى السماء عله يعثر فيها على ثقب تتساقط منه النقود. ماذا يمنع؟! لا مانع . أليست المياه هي سر الحياة؟ ولكن النقود ليست أصل الحياة.. مجرد وسيلة. اجل وسيلة ، فكيف تسقط المياه وهى الأصل ، ولا تسقط النقود وهى وسيلة؟!! مجرد أشياء نصنعها. نخترعها لنشقى بها: من اخترع النقود ومن ضربها ومن استخدمها.. الإنسان. وهل شقي بالنقود غير الإنسان؟؟ لماذا لا تنزل من السماء ؟ أليس ذلك أفضل ؟ أو تنبت لنا الأرض كنوزا صفراء أو فضية . يمكن . ماذا يمنع ؟؟ وأخذت الحمير تتفاداه والبقر والماعز، وسلسلة السارحين إلى الحقول تتواكب عن يمينه مرة وعن شماله مرة أخرى ، وقد تعلق بصره بشيء في الأرض ".. كنز .. آه .. كنز.. لا تمد يدك . لا تنحني ، فيراك كل هؤلاء فيشاركونك .. لا. لا. هو ملكي . اجل . ملكي وحدي . لن أتزحزح من هنا خطوة واحدة . الفلاحون ينظرون . يلتفتون إلى. لا عليك، فانا واقف هنا اسمع نشرة الأخبار وبعد قليل برنامج ... دقائق وتفرغ لي الحارة تماما .. مزروع هنا أنا . لن ابرح المكان.. الكنز.. طلبات الأولاد. طلبات !؟ لا قصور. ضياع.. سأبنى عمارة ضخمة هناك على شاطئ الترعة .. على الطلاق بالتلاته لن يسكنها غيري .. اشترى سيارة .. آه . سيارة .اذهب بها إلى الإسكندرية والقاهرة، وادخل السينما هناك. السينما والمسرح.. اصطحب " فوزية " .. " فوزية " !؟ لا . فهي تتخبل في الحذاء والثوب الضيق ، ربما تسقط على باب السينما ، وأصبح أنا فرجة لخلق الله .. أطلقها أحسن . على أي .. أتزوج عليها من هناك .. إنها جميلة رائعة ، ولكنها لا تعرف اى شيء : فن الزينة . فن الملبس . فن المشي وأصول الخطو .. أنا أريد واحدة مثل إياهن .. قطع الزبد اللائي أشاهدهن ، ثم طقطق " لا . لا .. يمكن أن تضحك علىّ وتأخذ كل مالي ، و انأ لا أحب لزوجتي أن ترقص مع غيري ، والخمر حرام .. نفسي . نفسي مرة واحدة والنبي يا رب أذوق طعمها ولو مرة .. يا انهار اغبر.. الواحد يرقص كده قدام الناس !!؟ .. " مرت عن يمينه جاموسة طوقته بذيلها الغارق في الروث المبتل ، فطبعت على قميصه حزام من " الجلة " فقال ونظراته مشدودة إلى الكنز لا تفارقه : " فلتذهبيني . خرب الله بيتك وبيت ساحبك وبيت صاحبك ... " ثم هز رأسه قائلا : كله من أجلك يهون.. " ، والأشياء تلمع وتبرق ، فصارت كالوتد المتسلط وقد شد إليه شدا بحبل البريق .. لم يخب ظنه .. خلت الحارة تماما .. لا بقرة ولا جاموسة ولا سرّيح .. لم يبق إلا الكلاب تروح وتجيء، وصبى يمرق من هنا أو من هناك .. " أمد يدي ؟! انحنى ؟! لا . لا لا .. ربما يطلع علىّ واحد أو واحدة .. تريث .. فات الكثير ولم يتبق إلا القليل " .. أقفلت صاحبة المذياع مذياعها .. ما زالت نسمات الصبح رقيقة طرية .. الأشياء ساكنة ساكتة .. " آه، لو مر حمار الآن لغاصت رجله ودفن الكنز دفنا.. أرزاق.. آه . لو تقوم الآن القيامة.. حتى اضمن ألا يدخل الحارة واحد أو يعبرها أحد .. " حول بصره إلى ساعته .. " الثامنة والنصف وخمس دقائق .. تأخرت ، يا سيدي . تأخرت . تأخرت .. غدا سيتمنى الأستاذ " طلعت " رئيس الوحدة تأخري أو حتى تغيبي .. سأثقله بالهدايا .. " لمح ظلا مر في سرعة من أمامه .. " ياه . متى تفرغ الحارة ؟؟ لمن هذه الظلال المتحركة ؟! " وعاد الظل ثانية يشاغل ناظريه .. عبثت ملامحه . انقبض .. " لن أتحرك .. لن أتحرك .. " ثبت الظل عن يمينه كأنه لشاب أو لرجل يلعب بعصاه في يده أو ينبش الأرض بطرفها .. " ياه !!؟ عرف الكنز ؟!! ما الذي أوقفه في هذا المكان ؟؟! " " لماذا يلعب هكذا ؟! عما يبحث ؟! من ذا يا ترى ؟! أأنظر خلفي ؟! لا . لا.. دعه ، وكأن شيئا لم يحدث .. لا تلقى بالا .. دعه .. تأخرت .. الأستاذ " طلعت " رئيس الوحدة .. كاد الظل يلمس ظله .. لمسه بالفعل .. الكائن يزاحمه .. العصا في يده .. ينحيه جانبا .. يدفعه دفعا .. العصا تلعب بشدة .. الأنفاس تلسع أذنه .. كاد الكوع يخرق جنبه . والكنز ؟! الكنز ؟! التحم الظل بظله .. الضغط متواصل ، لا يكف عن مزاحمته .. يصر ان يخلعه ، والصوت يخرق أذنه : يا أستاذ . أنت يا أستاذ . ما لك ؟!! بعد إذنك ، وأخذ الكناس يواصل عمله ، وقد طير في الهواء أوراق البسكويت الذهبية اللامعة تحت ضوء الشمس الساطعة ..
في المكتب
ـــــــــــــــــــــــــ
كان "الدش" ساخنا.. يوم نحس، وبوز الأستاذ "طلعت" شبران. فقرى مثل وجهه .. انحشر "مسعد" في مقعده وغاص في مكتبه.. هموم النفقات.. طلبات "فوزية" لا تنتهي.. المرتب لا يكفى.. الغلاء فاحش.. الأحلام لا تتحقق.. في البيت "فوزية" وفى الشغل "طلعت".. لم تعد للأشياء قيمة أو معنى.. قراءة الجرائد.. ساندويتشات الفول والطعمية .. الثرثرة الفارغة .. "عزيزة" طبخت محشى، و"عنايات" عندها الغسيل أكوام.. النساء كلهن "فوزية".. الأحمر عندها حرام، والأبيض حرام.. قمصان النوم حرام.. لا يهم تصفيف الشعر. لا وقت، ولا فرق عندها بين الفستان وكيس القطن أو جوال البطاطس في الغيط. كل شيء مقلوب. في الشغل هندمة وكلام مزوق، وفى البيت بهدلة وكلام يسم البدن.. الله يرحمك يا أمي.. هيه!! عروسة قمر ومثل الفل.. انزوى القمر خلف غم الأيام وغمام الأحوال وذبل الفل وتبدد ريحه.. حتى الذكرى قد أتت عليها الأيام.. فتح"مسعد" درج المكتب وسحب منه "دوسيه" عليه لطع الطعمية.. فرشه على المكتب.. أمسك بطلب يتفحصه .. الكلمات فارغة مثل تمثال رديء لفنان أهبل، الكلمات تشبه الدبابيس الصدئة تخذك وتسوءك معانيها: " مريض وملازم الفراش، برجاء توقيع الكشف الطبي... "، وكأن الكشف عقوبة على جريمة المرض، وحديث المحشى لا ينتهي وحبل الثرثرة لا ينقطع، وأكواب الشاي لا تفرغ، وقد تعلقت عينا "مسعد" بواحدة، وكأنه لم ير أكواب شاي من ذي قبل.." من هذه الصبية التي تقدم الشاي؟! تحمل بين يديها صينية من الفضة الخالصة.. هي، أيضا، تثرثر. لا. لا. تغنى . نعم تغنى .. " وأخذ يحملق ويمعن النظر.. أنها في جمال "فوزية" وقدها.. شعرها اللامع الممشوط في عناية.. ثوبها الفاتن وعقدها وقرطها وجيدها.. ثغرها الباسم.." آه. لو تقبل الزواج منى!! و"فوزية" ؟! يا سيدي. نحن في اى. فوزية. فوزية.. من هذه يا ترى؟؟ ما اسمها؟ سأعرف كل شيء عنها. النظرات تلاحقني وتلاحقها.. لن ادعها .. "وقام " مسعد" عن مقعده يتبعها كالطفل في ذيل أمه.." لا تتكلم.. اسمع فقط.. اتبعها. اتبعها. ما أحلى خطواتها. كأنها ترقص، والصينية الفضية بين أصابعها الرشيقة.. يا الله. كل هذا الجمال وتعمل في "بوفيه"!!؟ خسارة.. وأخذ "مسعد" يتلصص عله يظفر باسمها، وأين تسكن؟ ومن أين جاءت؟ ولماذا؟ المهم .. نعم. المهم . هل تقبل الزواج من؟ أنها لا تكف عن الحركة. تمرق من مكتب إلى مكتب.. لا تجعلها تفلت منك .. اى جمال هذا !! أنا وراؤك إلى آخر الدنيا، لن ادعك ولو علقوا رأسي في مشنقة، وإذا ما علمت " فوزية"؟! فلتعلم . قضم رقبتها . فوزية. فوزية. فلتعلم، وليعرف الناس أجمعون.. لا عليك من هذه النظرات. الحقد ليس إلا . الحسد. تظل فوزية في دارى.. أما هذه فأستأجر لها شقة.. أبيع قيراطين. لا يهم. لا يهم . المهم هل هي متزوجة؟ لا اعتقد. لا . ليست متزوجة.. كل هذا الجمال البارع ولم تتزوج بعد؟! فلتعمى العيون عنها، ثم قال بإصرار في نفسه، وهو يتبعها أنى ذهب: "ما اسمها يا ترى؟ ما اسمك؟ لوز ؟ حياة؟ سالمة؟ أين ستذهبين منى؟ لن تفلتين. سأآخذك هناك بعيدا.. بعيدا عن هذا العالم المريض والمليء بالأوجاع والآثام والمنغصات.. مريض وملازم الفراش... غبار وبعوض في الصيف وذباب، ووحل في الشتاء.. ما لنا نحن بهذه الأشياء النكدة .. عاملة "بوفيه". عاملة "بوفيه".. ماذا يعنى؟! كلنا أولاد تسعة.. آه لو كل أولاد تسعة بهذا الجمال وفى تلك العناية والرشاقة ما شقي احد.. جمال. دلال. خفة وذوق. رقة، وكأنها الفراشة الناعمة.. قم . أي والله قمر في ليلة التمام.. نظر"عبده " عامل "البوفيه" خلفه وهو يقول للأستاذ "مسعد": طلباتك يا أستاذ مسعد؟! أي خدمة؟؟ فقال مسعد مرتبكا، وقد ضحك له الحظ وقهقه: واحد شاي ، اى والله واحد شاي، وغاب من فرط النشوة عن الوجود، فلم يسمع صوتا بل شرب خمرا في كأس من لحن الهوى .. يا لحسن الطالع.. تناول كوب الشاي.. أووه! ماذا اشرب!؟ عسل نحل!؟ شربات فرح في دار حمودة العمدة؟! ومن يد من !؟ صحيح. من؟! لا يهم. اشرب. اشرب.. وقع في دفتر الحضور والانصراف، ثم انحشر في زمرة الموظفين من زملائه.. الكل انصرف.. الأستاذ "طلعت".."عبده " عامل البوفيه أغلق بوابة الإدارة، وقد طوق قضبانها بالسلسلة الغليظة ليتدلى من طرفيها القفل الضخم المتين، ولا أثر لها، وتاهت كما تاه الكنز، وقد طيره الكناس الملعون في الهواء..
العودة
ـــــــــــــــــ
كالعادة . أدار الأستاذ مسعد مفتاحه في طبلة الباب .. انفتح .. دخل .. عبر الدهليز الضيق إلى حجرة النوم المفتوحة .. مال بجزعه يفك رباط حذائه ، هتفت ابنته " وفاء" عندما شعرت بوجوده وهى تهرول باتجاهه: بابا جاء . بابا جاء، ثم تعلقت برقبته ، فقبّلها لتفر مندفعة ناحية المطبخ حيث أمها .. بابا جاء .. بابا جاء.. حبي خلفها الصغير " وائل" .. تعثرت في عروستها ، قذفت بها .. حدثت ضجة هائلة اثر ارتطام العروسة البلاستيك بزجاج الشيفونيرة . صراخ.. بكاء أطفال.. أشياء تتحرك من مكانها كزوبعة.. لم يتنبه "مسعد" بعد إلى شيء من ذلك.. واجم يندب حظه .. الكناس قد سرق الكنز والعاملة قد تاهت منه ، وزوجته بالداخل تصرخ : "مسعد !؟ أنت يا مسعد . انشغل بالأولاد حتى افرغ من الحمام .. " تنبه "مسعد". نهض من مكانه .. غادر الحجرة .. انهض الطفلة، ثم راح يلاعبها وولده "وائل".. خرجت "فوزية" من الحمام : "أهلا يا أبو وائل .. أصفف شعري .. دقائق واضع لكم الطعام. جائع ؟! هه ؟.. " فتمتم مسعد : "ماشى يا ستى " .. تحلقت الأسرة "الطبلية"، وراحوا يتناولون الطعام ، وفى الأثناء قالت "فوزية" : "اسمع يا مسعد . خالي محمود متوعك اليوم، ولا مفر من ذهابك إلى الحقل، حتى تباشر الأنفار بنفسك، ولا تنسى أن تحضر البرسيم.. خذ معك الحماره .. فقال وهو يتفحصها : رداؤك جميل .. فهمت فوزية بالطبع مغزى مداعبته لها، فقالت بإصرار وفى حزم: " لا وقت الآن، فإذا ما كنت بحاجة إلى مساعدة ذهبت معك إلى الغيط.. "فرغوا من تناول الطعام .. سحب مسعد الحمارة إلى الخارج ثم اعتلى ظهرها إلى الحقل ، وقبيل مغرب الشمس عاد ، والبرسيم على ظهر حمارته .. من الشارع دلف إلى الحارة،فلمح امرأة تقف على باب داره ، فنخس الحماره يحثها على الإسراع ، وهو يسألها : يا ترى مين دى؟! .. من أنت أيتها الواقفة بباب قصري، هل أنت حقا امرأة ؟! أم أنت واحدة من آلهة الاولمب ؟! حا . حا . حا ..
تعليقات
إرسال تعليق