بلدى يا اولاد بلدى



                    بلدي يا أولاد. بلدي
                ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


   تفصل بين البابين: باب دارى وباب المدرسة، حارة ضيقة.. تلك المدرسة التي احتضنت من الداخل فناء ضيق يسمح بتسرب أشعة الشمس وبعض الهواء الرطب البارد.. أما الفصول فتقف متراصة تطل بنوافذها على الحارة التي عادة ما ينبعث منها صوت يردد: "بلدي يا أولاد. بلدي .." وكانت نافذة حجرتي بالدور العلوي تواجه حجرة ناظر المدرسة وشطرا من حجرة دراسية ( فصل) فإذا ما وقفت في فراشي شاهدت ناظر المدرسة بشحمه ولحمه وهمومه وصراخه، وهو دائم الصراخ .. يجلس إلى مكتب خشبي عتيق لا يجرؤ على فتحه .. فإذا ما أراد ذلك تنحى قليلا إلى الخلف، ثم يصفق بطريقة خاصة، فيدخل عليه أربعة شداد غلاظ.. يلتفون حول المكتب فيهجمون عليه هجمة رجل واحد، فيمسكون به، فيثبت الناظر على عينيه نظارته ثم يفتح الدرج، فيخرج منه ما يريد، ثم يغلقه وينصرف الرجال إلى تختتهم بجوار حجرة الناظر، ويشق الصوت هدوء المكان: " بلدي يا أولاد . بلدي .. " كانت عقارب الساعة ( في هذا اليوم ) تشير إلى الثانية عشرة والنصف بعد الظهر .. دخلت حجرة ناظرنا هذا سيدة تعلق بصدرها طفل رضيع ، وطفلة تمسك بذيل ردائها وثالثة تتبعها ، وهى تحمل حقيبة تشبه حقيبة خضار جارتنا السيدة " عدلات " .. قطب الناظر ، وهو يمسحها بعينيه ويفحصها ، ثم صرخ فيها : " إيه ده يا أبلة .. الساعة اتناشر ونصف !!؟ " فقالت في تبجح : " يوه يا حضرة الناظر .. م أنت عارف العيال ودوشتهم .. ربنا يديم عليك عيالك يا حضرة الناظر .. " .. رفع حضرة الناظر كفيه في غضب ، إلا انه (على ما يبدو) تذكر حال مكتبه ، فانزلهما على صدغيه محدثا صوتا قويا من اثر اللطمة ، فهرولت إليه العاملة تصرخ قائلة : " سلامتك يا حضرة الناظر . سلامتك وسلامة شبابك .. " ثم نظرت إلى المعلمة متابعة قولها : " اخص عليك يا ابلة . كده تضربي حضرة الناظر بالقلم على وجهه؟!! " وامتلأت الحجرة بين معنف للمعلمة ومواس للناظر ، وارتفع الصوت : " بلدي يا أولاد . بلدي .." كان الفصل بين ثلاثة يتناوبون عليه يوميا ، معلمة محجبة ، والأخرى متبرجة والثالث شاب في منتصف عقده الثالث . . المحجبة كانت تقضى من الوقت أكثره والمتبرجة اقله ، وكان من عادة المحجبة أن القلم لا يفارق أصابعها وعادة ما تردد : " غلط يا حمار . غلط .. " ثم تنزل بكفها على قفي الحمار فيصرخ ثم ينصرف ، أما المتبرجة فكلما دخلت الفصل امتعضت وأمسكت منخرها بإصبعيها ثم تطلعت إليهم ، إلى التلاميذ ، تتفحصهم ثم تصرخ : " جاءكم البلا . اتنيلوا اقعدوا . ربنا ياخدكم .. 65 واحد في الفصل .. جاءكم ستين نيلة في خلفكم الهباب .." واعتقد أنها كانت تقوم بتدريس مادة " المسخرة والتوبيخ " المقررة على الصف الثالث بالمرحلة الابتدائية ، ويعود الصوت ليملأ المكان : " بلدي يا أولاد . بلدي .. " وتنتهي الحصة لتبدأ حصة.. يدخل على التلاميذ في زى يشبه زيهم وهو يسوق إليهم الهم من أمامه أو يحمله على كتفيه ، ثم يدور حول نفسه ناحية اليمين مرة ، وناحية اليسار مرة أخرى ، ثم يمسك بقطعة الطباشير ، فيكتب على السبورة كلاما لو كتبه على الورق لنفد ورق المصانع في العالم كله ..شتان بينه وبين المتفرنجة في الزى والهيئة والمظهر ، وينبعث الصوت ليشمل المكان : " بلدي يا أولاد . بلدي .. "


   هرع الناظر إلى النافذة ، فأطل منها برأسه الصغير .. أخذ يرشق الصبية القاعدة في الحارة بنظراته الحادة الغاضبة النارية، ثم قال لها، وهو يصرخ فيها محتدا كمن نفد صبره: " جرى إيه يا صبية أنت !!؟ الله يخرب بيتك وبيت البلدي بتاعك .. الله يخرب بيت كل أصناف البرتقال على شان خاطرك: بلدي وأبو سره وأبو دمه وسكري.." فتطلعت إليه الصبية وهى تردد : " بلدي يا أولاد . بلدي .. "


   صفق الناظر ضلفة النافذة صفقة كاد الزجاج يتحطم لها ، ثم تراجع وهو يضرب كفا بكف : " ما في فائدة .. " ثم هز رأسه وراح يردد: " بلدي يا أولاد. بلدي .. "


تعليقات