الرأي والرؤية (3)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الرأي والرؤية.. والسؤال هنا: ما هي علاقة المثقف بالسياسي ، نثبت . المثقف هو من له القدرة على إبداء الرأي.. الكاتب. القاص. الشاعر. الخطابة.. وكل من له قدرة التعبير بوسائل أخرى، كالموسيقى والنحت والرسم والمسرح أو العمل الدرامي.. مع ملاحظة الفارق بين الثلاثة: العالم. المتعلم. المثقف، ومن ثم فنلاحظ أن المثقف هو مترجم الكلمة إلى فعل (سلوك) أو مترجم الكلمة إلى كلمة للشرح أو الإيضاح أو التفسير أو الإضافة ، والمثقف متعلم بطبيعة الحال ولكنه ليس بعالم ، كالفرق بن "الجاحظ" مثلا و"ابن سينا" أو "أنيس منصور" والدكتور " مجدي يعقوب " أو " نجيب محفوظ" و "احمد زويل" .. وما لم يضف المثقف فينسب إليه الضعف (مستهلك) على أن تكون الإضافة موجبة ، فمروّج العهر أو هزل الكلام وسفهه ليس بمثقف ، مثله في ذلك مثل الصانع الصعلوك .. ولا يجوز للمثقف التشهير أو استخدام قلمه لغير غرض نبيل ، أو النيل من الناس أو التهكم عليهم أو التهجم أو ابتذال الكلمة .. فالمثقف هو الكلمة النبيلة والموضوع الهادف الجاد .. المثقف مثل الجندي حامل السلاح في الميدان ، والسلاح هنا ليس أبدا لإرهاب الناس أو تخويفهم ، فالقلم للدفاع عن ... وليس للهجوم على ... وتلك هي الأساسيات التي تحكم المثقف ، وما من شك أن المثقف يدرك أن ليس من مهامه إصلاح الكون ، ولكن من مهامه المشاركة الفاعلة والفعالة في كل عمليات الإصلاح ، بما فيها عملية التنبيه إلى الخطأ أو الخطر ، مثل الشاعر مثلا أو القاص أو كاتب المقال ، فلا يسخر من دين لا يتبعه أو من نظام لا يستهويه أو لا يعجبه ، وإبداء الرأي من حقه وواجبه بقصد الإسهام أو الإفهام والتوضيح والتنبيه .. المثقف من كانت له القدرة على توصيف المشكلة أو القضية بالقدر الممكن إفهامه للناس أو للسلطة، ومن حق المثقف قيادة الرأي العام..
أما السياسي فنقصد به تحديدا من هم في سدة الحكم (السلطة) أو إدارة الحكم وتصريف شئون الناس ، ونفرق بن السياسة الداخلية والسياسة الخارجية ، فالسياسة الخارجية ، كما هو معلوم لدى الكافة ، تعنى علاقة الدولة بكل دول العالم ، وما يهمنا هنا هو السياسية الداخلية ، فكلما كانت "الحكومة" مقنعة للناس كان المثقف أكثر توافقية معها ، مثلما حدث إبان ثورة 23 يوليه ، أو عقب حرب السادس من أكتوبر .. وازعم / اعتقد انه لو أتيحت الفرصة للمعارضة / الرأي الآخر لكانت النتائج أفضل ..
ونعود إلى السؤال : ما هي علاقة المثقف بالسياسي ؟؟ من الخطأ أن تقوم العلاقة على قاعدة الإطراء أو التزلف والمديح .. خطأ . ولا تقوم على قاعدة تصيد الأخطاء بغرض تملق الجماهير، فالقاعدتين أسوأ من بعضهما .. والأوفق للجماهير هو دور المثقف الواعي والذي له القدرة على دراسة المشكلات ، والتعامل مع الخطأ كخطأ أو القصور كقصور (وكلاهما : الخطأ والقصور من العناصر الفاعلة سلبا والمقوضة أصلا للمجتمعات) فمثلا البعض من المثقفين يطالبون بتوزيع دخل قناة السويس على المواطنين بحجة رفع مستواهم المعيشي، ولم يتنبه احد منهم لجسامة الخطأ (من الوجهة الاقتصادية) فيما يطالب به، وقس على ذلك الكثير من الأمور أبرزها وأهمها قضية التعليم في مصر ، فنلحظ أن المثقف مشارك في الأزمة ؛ لان مدار الكلام كله عن المدخل المعرفي متأثرين بثقافة الكتاب، وهذا خطأ فادح، فليس من المصلحة إن نلغى هذا الرصيد الهائل من علوم التربية والسلوك الانسانى (نظرية التعلم) فليس بالشعر وحده تبنى الأمم أو معرفة المكتشفات والاختراعات، فهي (المخترعات/ الاكتشافات) الابن الشرعي للتعلم ، ومن السهل على الطفل حفظ قصيدة شعر، ولكنه من الصعب ابتكار حل مسألة ، وذلك عينه هو الفارق بين ما نطالب به وما هو قائم ..
دور المثقف أن يكون واع بقضايا الأمة ، وكيفية علاجها ، على أن يكون العلاج في شكل أطروحات ذات قيمة وذات اثر في الرأي العام ، وكلما كان المثقف بعيد النظرة عميقها كان انفع ، وازعم (في تلك الحالة) أن تكون له قدرة التأثير في القرار السياسي .. المثقف لا ينبهر بالأفكار اللامعة البراقة ، فمثله (في تلك الحالة) مثل الذي يجعل صلاة العصر ست ركعات مثلا ، زيادة في محبة الله (سبحانه وتعالى) فالانبهار بالأفكار دون دراسة ودون تعمق خطأ وخطر .. كما أن السياسي الواعي الحذق هو من له القدرة على الاستفادة من المثقف ، وليس بالضرورة أن يتقلد المثقف المناصب أو يسعى إليها ، إذ السياسي أفضل لقدرته على الحركة ومرونة التصرف والتصريف ، كما أن السياسة علم ولها أدواتها ، ونلمح هنا لإشكالية، فكثيرا ما تحدث فجوة بين ما هو نظري وما هو واقعي ، إذ تتحكم في عموم الناس (الجماهير) خاصية الانفعال أو رد الفعل المباشر تجاه أحداث معينة ، ويكون لذلك أثره وانعكاسه على اتخاذ القرار ، ويلزم الحيطة والحذر ، وننوه هنا ( للتوضيح ) ملابسات الأحداث في عام 1967 والنكسة ، وملابسات أحداث غزة ( أواخر ديسمبر 2008 وأوائل يناير2009 ) فقد تشابهت الظروف أو تطابقت، ومن الناس من انفعل بكلام "حسن نصر الله" أو ما تبثه علينا "الجزيرة" وقلما نجد من تنبه إلى الشرك المنصوب ، ووضح ذلك جليا في صفوف المعارضة ، وكان ميزان الصواب لصالح السياسي وعقلاء الأمة ، ولم يتصرف الرئيس "مبارك" على نهج الرئيس "ناصر" طيب الله ثراه وعز قدره ، عادة ما يتكلم الإنسان بما يعتقد أو يظن أو يزعم أو يتوهم ، وتلك من أفات الكلام في عالم البشر ، ومن ثم فندرك أهمية النقد / الرأي الآخر ، مع ملاحظة صفة التلازم والمصاحبة ، وكثيرا ما يقع المثقف وكذا السياسي في شرك التوأمة بين ما هو قناعات شخصية ( الشخصنة) والمصلحة العامة ، فالحكم والاشتغال بالسياسة تقرض المصلحة العامة ، ونفرق هنا بين ما نملكه نحن كأفراد وبين ما نتولاه من أمور تهم الناس ، فليس شرطا أن يكون السياسي على الصواب بطول الخط ، ولا خاب من استشار ، وليس شرطا أن يكون المثقف ، أيضا ، على الصواب بطول الخط ، فعندما نتكلم أو نكتب فنلزم جانب الحذر والحيطة ، ولسنا بطبيعة الحال أنبياء ولا نحن بقديسين ، ولسنا من عشاق الانبغاء أو " الما يجب " فتلك من السفسطة وبهرجة الفكر أو الكلام ، فالخصومة على الحق أفضل من التصالح على الباطل وزيف الكلام وشطط الإرضاء أو التملق للحاكم أو الجماهير ..
وما من شك ، فالمثقف يدرك بحسه الملامح العامة للرؤية ( الصورة العامة) ولا مانع أبدا من حدي الاحتمالية : الصواب والخطأ ، ويؤخذ ذلك في الاعتبار ، وذلك لاعتبار المشاركة الفاعلة ذات القدرة المؤثرة في مسيرة الأمم ، والمثقف ، أيضا ، من له القدرة على ما يسمى بـ "استشراف المستقبل" كضمانة لتحديد الهدف وضمانة على سلامة الوسيلة ..فعلى المهندس أن يجد ويجتهد في عملية تصميم البناية ، وعلى زميله في الإنشاءات أن يجد في التنفيذ ، فالخلل في التصميم يتبعه بالضرورة خلل في التنفيذ ، ولا مجال أبدا لـ " الفبركة " ولا سياسة " مشى حالك " أو " هي كده " ، فالخطأ بين اثنتين : إما أن نصححه أو نذهب ضحية له ، ومن السهل أن نضحك على الآخر ، أما أن نضحك على أنفسنا ، فنتوقع الكارثة .. كلمة.. راكب الموجة، لا محالة غارق..
وللمقال بقية ..
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الرأي والرؤية.. والسؤال هنا: ما هي علاقة المثقف بالسياسي ، نثبت . المثقف هو من له القدرة على إبداء الرأي.. الكاتب. القاص. الشاعر. الخطابة.. وكل من له قدرة التعبير بوسائل أخرى، كالموسيقى والنحت والرسم والمسرح أو العمل الدرامي.. مع ملاحظة الفارق بين الثلاثة: العالم. المتعلم. المثقف، ومن ثم فنلاحظ أن المثقف هو مترجم الكلمة إلى فعل (سلوك) أو مترجم الكلمة إلى كلمة للشرح أو الإيضاح أو التفسير أو الإضافة ، والمثقف متعلم بطبيعة الحال ولكنه ليس بعالم ، كالفرق بن "الجاحظ" مثلا و"ابن سينا" أو "أنيس منصور" والدكتور " مجدي يعقوب " أو " نجيب محفوظ" و "احمد زويل" .. وما لم يضف المثقف فينسب إليه الضعف (مستهلك) على أن تكون الإضافة موجبة ، فمروّج العهر أو هزل الكلام وسفهه ليس بمثقف ، مثله في ذلك مثل الصانع الصعلوك .. ولا يجوز للمثقف التشهير أو استخدام قلمه لغير غرض نبيل ، أو النيل من الناس أو التهكم عليهم أو التهجم أو ابتذال الكلمة .. فالمثقف هو الكلمة النبيلة والموضوع الهادف الجاد .. المثقف مثل الجندي حامل السلاح في الميدان ، والسلاح هنا ليس أبدا لإرهاب الناس أو تخويفهم ، فالقلم للدفاع عن ... وليس للهجوم على ... وتلك هي الأساسيات التي تحكم المثقف ، وما من شك أن المثقف يدرك أن ليس من مهامه إصلاح الكون ، ولكن من مهامه المشاركة الفاعلة والفعالة في كل عمليات الإصلاح ، بما فيها عملية التنبيه إلى الخطأ أو الخطر ، مثل الشاعر مثلا أو القاص أو كاتب المقال ، فلا يسخر من دين لا يتبعه أو من نظام لا يستهويه أو لا يعجبه ، وإبداء الرأي من حقه وواجبه بقصد الإسهام أو الإفهام والتوضيح والتنبيه .. المثقف من كانت له القدرة على توصيف المشكلة أو القضية بالقدر الممكن إفهامه للناس أو للسلطة، ومن حق المثقف قيادة الرأي العام..
أما السياسي فنقصد به تحديدا من هم في سدة الحكم (السلطة) أو إدارة الحكم وتصريف شئون الناس ، ونفرق بن السياسة الداخلية والسياسة الخارجية ، فالسياسة الخارجية ، كما هو معلوم لدى الكافة ، تعنى علاقة الدولة بكل دول العالم ، وما يهمنا هنا هو السياسية الداخلية ، فكلما كانت "الحكومة" مقنعة للناس كان المثقف أكثر توافقية معها ، مثلما حدث إبان ثورة 23 يوليه ، أو عقب حرب السادس من أكتوبر .. وازعم / اعتقد انه لو أتيحت الفرصة للمعارضة / الرأي الآخر لكانت النتائج أفضل ..
ونعود إلى السؤال : ما هي علاقة المثقف بالسياسي ؟؟ من الخطأ أن تقوم العلاقة على قاعدة الإطراء أو التزلف والمديح .. خطأ . ولا تقوم على قاعدة تصيد الأخطاء بغرض تملق الجماهير، فالقاعدتين أسوأ من بعضهما .. والأوفق للجماهير هو دور المثقف الواعي والذي له القدرة على دراسة المشكلات ، والتعامل مع الخطأ كخطأ أو القصور كقصور (وكلاهما : الخطأ والقصور من العناصر الفاعلة سلبا والمقوضة أصلا للمجتمعات) فمثلا البعض من المثقفين يطالبون بتوزيع دخل قناة السويس على المواطنين بحجة رفع مستواهم المعيشي، ولم يتنبه احد منهم لجسامة الخطأ (من الوجهة الاقتصادية) فيما يطالب به، وقس على ذلك الكثير من الأمور أبرزها وأهمها قضية التعليم في مصر ، فنلحظ أن المثقف مشارك في الأزمة ؛ لان مدار الكلام كله عن المدخل المعرفي متأثرين بثقافة الكتاب، وهذا خطأ فادح، فليس من المصلحة إن نلغى هذا الرصيد الهائل من علوم التربية والسلوك الانسانى (نظرية التعلم) فليس بالشعر وحده تبنى الأمم أو معرفة المكتشفات والاختراعات، فهي (المخترعات/ الاكتشافات) الابن الشرعي للتعلم ، ومن السهل على الطفل حفظ قصيدة شعر، ولكنه من الصعب ابتكار حل مسألة ، وذلك عينه هو الفارق بين ما نطالب به وما هو قائم ..
دور المثقف أن يكون واع بقضايا الأمة ، وكيفية علاجها ، على أن يكون العلاج في شكل أطروحات ذات قيمة وذات اثر في الرأي العام ، وكلما كان المثقف بعيد النظرة عميقها كان انفع ، وازعم (في تلك الحالة) أن تكون له قدرة التأثير في القرار السياسي .. المثقف لا ينبهر بالأفكار اللامعة البراقة ، فمثله (في تلك الحالة) مثل الذي يجعل صلاة العصر ست ركعات مثلا ، زيادة في محبة الله (سبحانه وتعالى) فالانبهار بالأفكار دون دراسة ودون تعمق خطأ وخطر .. كما أن السياسي الواعي الحذق هو من له القدرة على الاستفادة من المثقف ، وليس بالضرورة أن يتقلد المثقف المناصب أو يسعى إليها ، إذ السياسي أفضل لقدرته على الحركة ومرونة التصرف والتصريف ، كما أن السياسة علم ولها أدواتها ، ونلمح هنا لإشكالية، فكثيرا ما تحدث فجوة بين ما هو نظري وما هو واقعي ، إذ تتحكم في عموم الناس (الجماهير) خاصية الانفعال أو رد الفعل المباشر تجاه أحداث معينة ، ويكون لذلك أثره وانعكاسه على اتخاذ القرار ، ويلزم الحيطة والحذر ، وننوه هنا ( للتوضيح ) ملابسات الأحداث في عام 1967 والنكسة ، وملابسات أحداث غزة ( أواخر ديسمبر 2008 وأوائل يناير2009 ) فقد تشابهت الظروف أو تطابقت، ومن الناس من انفعل بكلام "حسن نصر الله" أو ما تبثه علينا "الجزيرة" وقلما نجد من تنبه إلى الشرك المنصوب ، ووضح ذلك جليا في صفوف المعارضة ، وكان ميزان الصواب لصالح السياسي وعقلاء الأمة ، ولم يتصرف الرئيس "مبارك" على نهج الرئيس "ناصر" طيب الله ثراه وعز قدره ، عادة ما يتكلم الإنسان بما يعتقد أو يظن أو يزعم أو يتوهم ، وتلك من أفات الكلام في عالم البشر ، ومن ثم فندرك أهمية النقد / الرأي الآخر ، مع ملاحظة صفة التلازم والمصاحبة ، وكثيرا ما يقع المثقف وكذا السياسي في شرك التوأمة بين ما هو قناعات شخصية ( الشخصنة) والمصلحة العامة ، فالحكم والاشتغال بالسياسة تقرض المصلحة العامة ، ونفرق هنا بين ما نملكه نحن كأفراد وبين ما نتولاه من أمور تهم الناس ، فليس شرطا أن يكون السياسي على الصواب بطول الخط ، ولا خاب من استشار ، وليس شرطا أن يكون المثقف ، أيضا ، على الصواب بطول الخط ، فعندما نتكلم أو نكتب فنلزم جانب الحذر والحيطة ، ولسنا بطبيعة الحال أنبياء ولا نحن بقديسين ، ولسنا من عشاق الانبغاء أو " الما يجب " فتلك من السفسطة وبهرجة الفكر أو الكلام ، فالخصومة على الحق أفضل من التصالح على الباطل وزيف الكلام وشطط الإرضاء أو التملق للحاكم أو الجماهير ..
وما من شك ، فالمثقف يدرك بحسه الملامح العامة للرؤية ( الصورة العامة) ولا مانع أبدا من حدي الاحتمالية : الصواب والخطأ ، ويؤخذ ذلك في الاعتبار ، وذلك لاعتبار المشاركة الفاعلة ذات القدرة المؤثرة في مسيرة الأمم ، والمثقف ، أيضا ، من له القدرة على ما يسمى بـ "استشراف المستقبل" كضمانة لتحديد الهدف وضمانة على سلامة الوسيلة ..فعلى المهندس أن يجد ويجتهد في عملية تصميم البناية ، وعلى زميله في الإنشاءات أن يجد في التنفيذ ، فالخلل في التصميم يتبعه بالضرورة خلل في التنفيذ ، ولا مجال أبدا لـ " الفبركة " ولا سياسة " مشى حالك " أو " هي كده " ، فالخطأ بين اثنتين : إما أن نصححه أو نذهب ضحية له ، ومن السهل أن نضحك على الآخر ، أما أن نضحك على أنفسنا ، فنتوقع الكارثة .. كلمة.. راكب الموجة، لا محالة غارق..
وللمقال بقية ..
تعليقات
إرسال تعليق