مسبحة الحروف
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
سحب المقعد . جلس عليه .. اعتدل في جلسته .. تقدم لينحشر بين المقعد والمكتب .. فتح الدرج ، درج مكتبه ، ثم اعتدل . ثبت النظارة الطبية على عينيه .. تذكر تعليمات الطبيب: "ابعدها عن عينيك شوية .. دوما خليها مايلة.. والنور ورا ضهرك على اليسار.." . نفذ التعليمات .. مد بصره فى الدرج .. اطمأن على الحروف : ا. ب . ت . ث..." عال . كده مظبوط .." سحب ورقة بيضاء من القطع الكبير ، ثم راح يغمس القلم بتأن في دواة الحبر، مثلما يفعل الساعاتي وهو يدقق في العدّة ، التقط حرفا قد عينه بدقة ، ثم رفع القلم . وضع الحرف على السطر الأزرق بعناية . أعاد الكرة .. كلما التقط حرفا رصه على السطر .. الأسطر امتلأت .. الورقة اسودّت .. " كده تمام . عال قوى .. " .. طوي الورقة .. كان دقيقا للغاية .. اعتدل في جلسته ثم رجع بمقعده قليلا إلى الخلف .. " تنفع قصة . لا . اعتقد أنها مسرحية . أنا أفضل ذلك .. " سحب مظروفا من على المكتب . . دس فيه الورقة المطوية .. كتب الاسم والعنوان على المظروف .. " اهو الواحد ياخد رأيه .. " استقبله مكتب البريد بحفاوة بالغة . هكذا تصور . . كانت التعليمات تقضى بحسن معاملة الجمهور حتى لا يطفشون ، والمكتب يفلس .. بابتسامة عريضة جدا ولهجة وقور: " من فضلك. طابع بريد.. " فسألته بمحبة غامرة وود خالص : " خارجي واللا داخلي .. " بتأكيد وبلهجة جادة، كما يفعل الشيوخ عادة: " داخلي طبعا.. " كمن استاء لجهلها .. ناولته الطابع . بله بريقه ثم لصقه. دس الخطاب خلال فتحة عريضة نسبيا ليودعه الصندوق.. استقر الخطاب في الصندوق .. تأكد من ذلك . فقد احدث ، الخطاب ، صوتا كالقبلة الخفيفة .. استقبل الشارع إلى حيث عمله .. " .. " والله لـ اعمل ليلة لأهل الله .. "
كما توقع . ناوله الساعي خطابا ، فأيقن انه الرد .. فتحه بلهفة . قرأه .. اتخذ قرارا ما .. قال له زميله في الشغل : الله . ما أروع المسبحة في يدك ..
تعليقات
إرسال تعليق