سوق السمك




              سـوق السمك
            ـــــــــــــــــــــــــ

  المكان.. المعيصرة . حارة العو . شارع مدرسة ناصر الإعدادية بنات .. توقفت عقارب الساعات عند الرقم أربعة، أما عقرب الدقائق فكان في مرحلة "جس النبض" متكاسل في مشيته، وكأنه يبحث عن شيء لا وجود له، في أناة . اقترب من الرقم تسعة .. دوت في الحارة صرخة هائلة . قبل الفجر بأقل من ساعة ، ذلك التوقيت الذي عادة ما يكون فيه الناس في سبات عميق ، ما عدا بنات الثانوية العامة ، أما البنين فهم متواجدون الآن في أماكنهم المعهودة والمعروفة ، أماكن التدريب ، فمنهم من يجرب آخر ما تم استيراده من أنواع السجائر ، ومنهم من انزووا في ركن ليصنعوا من البانجو سحبا للدخان ، فترتسم الأشباح والعفاريت والأشكال الغريبة والعجيبة ، وهى تتماوج فتتهادى ، ثم تتلاش لتحل محلها سحب أخرى ، وسحب تتبع سحب كالموج في ليلة جوها ساكن أو هادئ .. " والله يا آخى ما أنا عارف اعمل إيه لبنت الوسخة دى !! كل ما ارن عليها تكنسل .." فرد عليه الرفاق ، وهم في حالة طيبة سعيدة وممتعة : " ها ها هاى .. كنسلها ، وريّح نفسك .." فسألهم المشورة : " يعنى كده ؟! خلاص . أدّيها زومبة .. كشكولها بتاع التاريخ عندي ، والله ما هي واخداه ، ولا يهمك .. " فرد عليه بجديته المعهودة : " أوعى ياد يكون لها عندك حاجة تانية ؟! أنا عارفك بـ تموت فى كلوتات البنات .." فعلق دوحة وهو ينفث الدخان على مهل . آخر روقان " تلاقيهم بتوع أمه .. " فرد عليه بكمية كبيرة من الدخان ، وكأنه يتوعده : " لا ، وانت الصادق . دول بتوع أمك أنت يا ابن الشرموطة .. " .. كانت الصرخة قوية . استيقظ أهل الحارة ثم أهل الشارع .. " أنت عايز تتجوز علىّ يا ابن الملعونة !!؟ " اختلط صوتها بصوت فرقعات .. قال الشيخ حمد للجموع : " لا . ما فيش حاجة . شوقي يظهر انه بـ يضرب مراته .. " ما كاد الرجل يفرغ من كلامه إلا وغرق الناس في بركة ماء ، فانصرفوا يلعنوها ويلعنون أمها .. " خلاص. عايز تتجوز اتجوز . بس بشرط . زى م تجيب لها تجيب لي .. انا عايزة اودة نوم جديدة ، واسورتين دهب ، وتغير لي الغسالة . عايزاها زى بتاعت البنت هند . فول اتوماتيك .. "

  كالعادة مع كل صباح . انحشرت وسط زميلاتها وطشت السمك مستقر أمامها على الأرض ، وسمك القراميط يضرب الماء بذيله وبرأسه في ثورة احتجاجية ، فيطيش الماء من حول الطشت ، فتتحول هي وطشتها إلى جزيرة في بركة ماء مخلوط بالتراب . روبة . . " أنا قلت لها .. " .. " قلت لها إيه يا راجل ؟!! " .. اقتربت منها قطة ، فعثرت لها على سمكة بلطى بحجم اصبعى طفل .. " قلت لها أنا ح اتجوز .. " فسألته : " قلت لها ح تتجوز مين ؟ " مدت ، سيدة في الأربعين من عمرها تقريبا ، يدها فى الطشت تقلب فى السمك فشخرت لها : " جرا ايه يا مرة . هو القرموط مش عاجبك ؟! " . اختفت . . قالت له : " المغرب نبقى نتفاهموا .. " ثم راحت تنادى : " السمك . بحّارى يا سمك . القراميط . اقلى ، وفى الرز تعمر . يا الله بـ 8 جنيه .. ببلاش . القراميط .." .. غافلها . قرصها من وركها .. فواصلت النداء ، وهى تنظر إلى كلب ضال كان يشمشم : " بطّل يا ابن النجسة .. " فانفجر بالضحك ، وهو يزغدها بكوعه في صدرها الممتلئ ..

  كثيرا ما كانت تحذرها أمها من أن تكون زوجة ثانية .. " يا بنتي أنت كسيبة وكمان حلوة ، وألف مين يتمنى يتجوزك .. " .. تذكرت أيام المدرسة . أيام أن كانت تمر على أمها وهى في طريق العودة إلى الدار ، تأخذ منها اللحم والخضار لتعد لهم طعام الغذاء .. " هات عنك . هات .. " فيحمل عنها كل ما اشترته لهم أمها ، ثم يوصلها لحد الباب ، مقابل بوسة أو قرصه أو عضة ، فتأخذ منه ما حمّلته له ، وتفر منه ثم تغلق الباب في وجهه .. تذكرت ليلة زفافه .. " كانت ليلة سوده .. منها لله أمه . بنت ستين كلب .." فقالت لها أمها : " يا سوميه إحنا سماكين . عارفه يعنى إيه سماكين !!؟ " بلهجة اعتراض قالت لها : " يعنى جايين من ورا .. "

  أعطاها ظهره حتى لا تراه ، حاولت ، تظاهر باللعب بأصابعه . أيقنت انه قد اخفي شيئا بمهارة في حجره . كانت مشغولة بإرضاع شقيقه "زياد" . صرخت فيه : "أنت بـ تعمل إيه يا منيل على عينك .. " فقذف الموبايل في الحائط ، فركله "شوقي" ركلة قوية ، فانخبطت رأسه بعارضة السرير .. ألقت بالرضيع على السجادة لتنقذ ولدها " إسلام" الذي راح يصرخ ويبكى .. عاد إلى المرآة يكمل زينته.." هي أهم من ابنك !!؟ " فلم يلتفت إليها لانشغاله بحبك الكرافتة ، ثم بلهجة توبيخ وتأنيب : " علميه الأدب الأول يا هانم .. "

  كانت تفوح منه رائحة العطر .. قالت له وهى تستقبله : " شيك قوى بدلتك .. " ابتسم ثم قبلها قبلة حارة ، سألتها أمها من الداخل : " مين يا سوميه ؟! " فأخبرتها .. " شوقي يا ماما .." فقالت بتنهد وبكثير من حسرة : " طيب .. " .. اصطحبته إلى الداخل . جلس على المقعد الفوتى ، أما هي فقد انسحبت تدعو أمها للترحيب به . امرأة بدينة . جاوزت الخمسين . دلتها " سوميه " إلى مكانه .. أجلستها على المقعد قبالته .. " أهلا يا شوقي .. " ثم سألته عن أمه وعن أبيه وعن إخوته ، ثم خاضت في أسباب فقدها لبصرها .. " منه لله عمك خليفة . قلت له أروح للدكتور أحسن .." فتدخلت سوميه ، وكأنها تذكرها : " يا ماما ما تظلميش بابا . انت السبب . انت اللي روحتى لـ عم حسن السلامونى . فضل يلبخ لك على عينيك .. " فعلقت : " منه لله . اهو مات . يستاهل .. " فكتم شوقي ضحكته ، ثم سأل عن "خليفة الحوتى" والد سوميه ، فأخبرته أمها - أم سوميه - بمكانه : " في البيت التانى .. ومسعود من يوم م اتجوز ما شوفتوش غير مرتين . منها لله مراته .. " فقال لها شوقي يواسيها : البركة في سوميه .. " انسحبت سوميه ، وبعد قليل عادت تحمل صينية عليها كوب عصير جوافة قدمته لشوقي .. " تناول شوقي كوب العصير بيده اليمنى في أدب جم ، وبيده اليسرى راح يعصر يدها ، فتألمت وهى تبتسم ، ثم خطفتها منه لتقول ، وكأنها تهمس فى اذنه : " بطل . انت مش ح تبطل ؟! " ثم ذكرته بعربة السمك : " العربية بكرة ح تيجى من بدري .. " وكأنها تحثه على الدخول في الموضوع .. من دون مقدمات قالت أم سوميه : " بصراحة يا شوقى الجوازة دى انا مش راضية عنها . انت متجوز وعندك عيال .." .. فقالت سومية بلهجة تهكم وفى غضب : " مين يا ماما اللي قال لك انه جاى يخطبك .. " فنهضت الأم عن مجلسها ثم انصرفت تاركة لهما حجرة الصالون .. قررت سوميه أن تمضى ليلة ممتعة مع شوقي من باب اثبات حسن النوايا .. اختتم زيارته لها بقبلة بعدما ارتدى بدلته ثم انصرف ..

  كانت نائمة ، وولديها . اسلام وزياد .. غيّر ملابسه وهو يدندن .. حبيبي ياللى .دايما تماللى بـ افكر فيك . خايف لـ يجى يوم وتنساني .. حبيبي يا للى .. القي بنفسه على السرير . استيقظت . سألته : " أنت لسه جاى ؟ " .. " ايوه . عايزه حاجة !؟ " .. تذكرت ليلى علوي في فيلم " بحب السيما" . هي ليست جميلة ، ولكنها أنثى .. بتكاسل نزلت من على السرير . غادرت الحجرة إلى الحمام ، عادت بعد وقت بقميص النوم الشيفون الأحمر وشعرها الممشوط .. " ليلتك سوده. عربية السمك جاية الصبح بدري .." .. هل يقوى الرجل ،اى رجل ، على مقاومة امرأة وهى تخلع روبها الأحمر الشفاف !؟ .. كان مجهدا جدا .. سحب اللحاف يغطى وجهه . نام .. بصقت عليه .." مش قلت لك . ليلتك سوده !!" .. سألته بإشفاق : " ما لك !!؟ " .. " بنت الوسخة هدت حيلي ع الصبح .." فرفعت عنه المشنّة لتفرغها في الطشت ، ثم وقفت تنادى : " البلطي يا نسوان . البلطي والقراميط .."

   أفرغت السيارات ما بجوفها . جد أهل الحارة في تحويل "العفش" من رأس الحارة إلى دار شوقي . غرفة نوم " سعيدة" أم إسلام ، وغرفة نوم " سوميه" العروسة الجديدة .. قال له "خليفة الحوتى " : " ما دامت هي موافقة . أنا ما عندى مانع . على خيرة الله .. " .. بعد خمسة أيام سألته سوميه عن أحواله مع زوجته ، فراح يشكو لها من سوء معاملتها له ، ثم اخبرها برغبته في العودة للعيش مع أمها ، زوجته الأولى ، فاعترضت بشدة .. تدخل شوقي في الموضوع . صرفته بلباقة .. " ماما مش ح توافق .." .. بعد زيارة طويلة نسبيا ، غادر خليل الحوتى بيت شوقي بعدما أعطى ابنته سوميه " الصباحية " مائة جنيه ..

   كالعادة . عندما ينام في فراشها .. أيقظته في السادسة والنصف صباحا . أعدت له طعام الفطور ، ريثما يفرغ من حمامه . تناولت معه الفطور ، أخذت تساعده في ارتداء ملابس الشغل .. فلنة صوف برقبة . بنطلون بيجامة فوق الكلسون . جاكت البيجامة وشبشب قديم ، ثم سألته وهى تودعه إلى عمله حيث تقف سيارة السمك : " ها . مش عاوز تتجوز تانى يا شوقي ؟؟ " فودعها وهو يفكر .. ثم لحقت به سوميه ..

تعليقات