غــادة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
السيد دومة أبو العز محروس .. محلات أبو الغز .. لم تكن المسافة قصيرة ، أشرت إلى سائق التكتك بالتوقف .. " هنا من فضلك .. " .. قطعت المسافة إلى المحل في نصف الساعة تقريبا ، هي لا تستغرق أكثر من ثلاث دقائق سيرا على الأقدام ، لم تكن تلك هي المرة الأولى التي التقى بها في نفس المكان تقريبا ، حاولت معها أن نجلس على الطوار أمام دكانة عم زبادي صاحب محلات الملابس الحريمى ، بوتيك النجمة الذهبية . رفضت .. لا تزال الشمس في أطوارها الأولى من الصباح . نسمات خفيفة تبشر بيوم على ما يبدوا متوسط الحرارة ، أو معتدل طقسه ، كانت تظلنا شجرة " دقن الباشا" بفروعها وأغصانها المشذبة حديثا .. سألني الولد حندوقة : " أجيب كراسي ؟ " .. " مش وقته .." . انصرف .. واضح أنها حريصة على العودة سريعا إلى بيتها .. " الحكاية دى مش ح تنفع . لازم تشوف لك حل مع ابن المعرّسة دى .. " .. كان لقائي به منذ ثلاثة أيام ، ولم أصل معه إلى نتيجة ، حاولت أن اعرف ماذا يريد بالضبط ولكن دون جدوى . شربت الشاي ثم ودعته .. " معلش عندي مشوار ضروري .." .. بدأ الزبائن يتوافدون على الشارع لشراء حاجياتهم من المحال ومن الفروشات على الأرصفة .. كنا واقفين في مكان فرش عبده السنارى بائع الطماطم . لمحته بانحناءته الخفيفة وهو يحمل قفصين من الطماطم ، فطلبت منها أن نؤجل اللقاء .. " بعدين . بعدين يا غادة . نتقابلوا بعدين .." فنظرت إلى بضيق ، إلا أنها أعطتني ظهرها وانصرفت .. مشكلة .. أن يتدخل الواحد منّا بين زوجين . اكبر مشكلة .. كان في الثامنة والعشرين من عمره ، أما هي ففي العشرين تقريبا . أنجبت له "سها" و"رجوات" . هو يريد ولد ذكر ، وأما أن تلزم دار أهلها . يطلقها ، رغم علمه أن مسألة الإناث والذكور هي من شأن الرجل .. هو لم يقل ذلك صراحة ، ولكن أمه كثيرا ما تنوب عنه في الكلام .. " أنا ابني دكر ابن دكر ، وولادى كلهم صبيان . العيب منها . بنت خسعة .. " .. سألته الزبونة عن أحسن نوع لزجاجة برفان ، ركز فيها بصره .. شكلها عره ويصد النفس .. سألها : "تقدري على تمنها ؟!!".. " أمّال يعنى على حساب الحكومة يا عم دومه !!؟ " .. دفعت 48 جنيه . أخذت زجاجة البرفان ثم انصرفت .. " بنات آخر زمن .. " .. كان باعتقادي أن البرتقال انسب هدية تقدم لشاب يعمل في الصرف الصحي .. أخرجت من جيبي ورقة نقد فئة الخمسين جنيها .. ناولني عم " دومه " جنيهين وزجاجة برفان .. "غريبة !!!" .. كدت أقول له : وانت مالك يا راجل يا حشري .. سألني عم دومه : " عملت إيه في الموضوع ؟ أنا عايز صبيان . أنت فاهم !؟ " لم اقل له أنى قد قابلتها منذ قليل ، أو قابلته منذ ثلاثة أيام .. اكتفيت بالتعرف على رأيه .. فتحت العلبة . أخرجت الزجاجة . جربت البرفان .. حزنت كثيرا لزوجتي ، يا خسارة عمري اللي ضاع .. " اسمع يا حاج دومه . الراجل هو المسئول عن نوع الخلفة . بنت واللا ولد .. " .. " انت بسلامتك جاى تديني درس ، واللا تحل لنا المشكلة ؟!! " .. الحقيقة أن "شكري السلامونى" لم يتدخل في الموضوع ، ولم يعلق ، كان ينصت باهتمام ، هو في مثل سني تقريبا . زميل دراسة.. كثيرا ما كنا نتشاجر .. تخرج في كلية الآداب قسم فلسفة منذ أربع سنوات ، وفضل العمل كصبي في تجارة العطور عند عم دومه..
اسمعني كويس يا نيل . فتح مخك معايا شوية ، ح تقعد تقول لي في حكم ومواعظ وحكايات . بصراحة أنا مش ناقص . أنا عايز حل . تقدر تجيب لنا ولد ، واللا لا . عايز كلمة ورد غطاها . تقدر ؟؟ .. اهو ده الكلام .. النيل من عادته ، في ساعة العصر ، يحب يتسلطن ويدندن . مزاجه عالي .. ولا كأني بـ اكلمه .. " هات لي يا ابني فنجال بن .. " .. ولعت سيجارة سوبر ، وقعدت اتمرجح بالكرسي .. " هه ، وبعدين ؟! ح تعمل إيه ؟!" .. " العمل عمل ربنا .. " .. طلبت لها كوب عصير برتقال .. رحت ارتشف البن ، ثم أشعلت سيجارة أخرى .. " يطلقك ، واتجوزك أنا ونخلصوا .. " .. " وحقي ؟! المقدم والمؤخر والنفقة ومصاريف البنتين .. " .. " ح يدفعهم ورجله فوق رقبته . بدل المحاكم والبهدلة .. " .. فكرت .. يعنى الحسبة تطلع لها حوالي خمسين . ستين ألف جنيه . حلو . كده تمام قوى . ميت فل وعشرة .. كان الجو حارا رغم دخول المغرب ، عندما نجلس إلى امرأة جميلة ، خاصة في تلك الساعة نتذكر أم كلثوم " ومن الشوق رسول بيننا ونديم قدم الكاس لنا .. هل رأى الحب سكارى مثلنا ؟! هل رأى الحب سكارى مثلنا؟! " .. لم اطلب منها أن تتصل بزوجها عن طريق المحمول ، فلا شك أن الجو بدونه أكثر طراوة وأكثر متعة ، سألتني : " رقمه معاك ؟ " ضحكت ، فقالت في ميوعه وببرود : " شطبته .. " .. اتصلت به .. " تعال . عايزك ضروري . مراتك هنا . قاعدة معي . تعال بسرعة خلينا نخلصوا .. " ..
بدأ الجو يعتدل إلى حد ما . جففت عرقي .. توافد الناس على الشاطئ بكثرة .. " اللي ماشيه هناك دى . بنت خالته . نفسها تتجوزه . وحشة وتقرف الكلب . عاملة زى الغراب ، وارثه أربع فدادين . بنت الكلب الجربانة . ما حدش معبرها في الجزمة .. " .. " بس دى لسّه عيّلة .. " .. " سلامة نظرك . في تالته ثانوي فني .. " .. " ها ها هاى . يعنى صالحة للاستعمال .. " .. " دم أمك خفيف .. " .. " على النعمة أنت مرة هرش .. " لمحته هي عند الدوران ( دوران الساعة) فضربتني برجلها الممدودة تحت الترابيزة ، وهى تشير ناحيته بغمزات جفنيها . وقفت ألوح له ، ثم وضعت اصبعى في فمي أصفّر . تنبه إلى مجلسنا ، فاتجه بالموتسيكل صوبنا .. نزل . قدمت له مقعدا . جلس دون أن ينظر إليها أو يعيرها ادني التفات ..
كانت الساعة الثانية إلا ربعا صباحا تقريبا عندما قررنا الانصراف .. فضّلت غادة أن تكون في ضيافتنا.. تم الاتفاق على كل شيء وعلى كل التفصيلات، علقت زوجتي: " كده أحسن . وحياة غلاوة جوزي اللي قاعد زى قلته. كده أحسن . ده . أصله واطى وابن ستين وسخة .. " .. أعدت زوجتي طعاما . فول مدمس وقطعة من الجبن القريش وحلاوة طحينية وبصلتين..
لا اعرف سبب تلك النظرات التي كثيرا ما تسددها لي أمها ، فتعبيرات وجهها تحمل من الاتهام ما يكفى لدخولي السجن عشرين سنة أو أكثر . كثيرا ما كنت اشعر بالذنب ، وكثيرا ما كانت تهون علىّ زوجتي : " مش هم اللي كانوا عايزين كده ؟!! " .. فكرت أن انقطع عن زيارتهم .. كان المبلغ يؤرقني . خمسين ألف جنيه . . قلت لها : " يظهر إن أمك زعلانه منى قوى .. " فاستنكرت ذلك .. " لو هي زى أنت م بـ تقول كده . ما كانت سمحت لك بالزيارة من أصله ، أو حتى كانت قالت لي . يا راجل دا أنت كل يوم لازق لنا ، والبنتين بـ يموتوا فيك . دا حتى ماما معجبة بالهدايا اللي أنت بـ تجيبها لهم .. "
بعد أربعة أشهر ونصف تقريبا ، اى بعد زيارتي لهم بأسبوع ، وصلتني بطاقة الدعوة .. " يتشرف دومه أبو العز محروس بدعوتكم لحضور عقد قران ابنته ...
تعليقات
إرسال تعليق