الموبايل ، والشيخ حسن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
رأف بحالها. مسكينة. تزوجها . عاش معها في بيتها.. فيلا سعاد الأنوار .. أنجب منها البنين والبنات .. السيدة . نور . عبود . فتحي . ليالي، اصغر الأبناء، وآخر العنقود.. ثلاثة ذكور وبنتين..شارع الجامع القبلي . المعيصرة .. الشارع ضيق لا يسع مرور سيارتين في اتجاه واحد أو في اتجاهين . الدور ، على الصفين ، متراصة واقفة كأجولة البطاطس ، ومنها ما يشبه كومات الكرنب .. بادية كروشها ، مثل امرأة حامل في الثامن وقد اطل منها ، من الكروش ، رؤوس الأولاد الصغار والصبايا اللائي يتفحصن المارة . أما الأولاد فلقذفهم ، قذف المارة ، بقطع الطوب الصغيرة أو حصو الزلط ، والصبايا لإجراء الكشف الطبي وكشف الهيأة عليهم : "لا . دا تخين ومكلبظ .. لا . دا قصير وعنيه داخله لجوه .. الله الواد حلو قوى . ماشى يتمختر ويدّلع . على إيه يا حسرة !؟ دا م عندهمش ارض . غلابة .. يا الله . أحسن من قلته .. الله يخيبك بنت . شوفي ماشيه ازاى !! بـ تترقص . مايصه ، والنبي أنا أجمل منها ستين مرة .. ايه يعنى شعرها طويل .. الدور الارضى لتربية المواشي في الزريبة ، وأودة الفرن والطبيخ ، ومكان لاستراحة الشغالين والشغالات .. حجرة واسعة تحوى ثلاثة أسرة من الحجم الكبير وكنبتان عربي ودولاب بعرض الحائط، والأرضية من البلاط الحبشي الأبيض ، ومنضدة مكسرة ، وجملة من بقايا مقاعد مكومة في الركن .. أما في الركن المقابل الجوزة وشيشة ومنقد الكوالح بجواره كومة كوالح على شكل هرم صغير ، أما الجوال ، جوال الكوالح ، فموضوع تحت السرير أسفل النافذة الواسعة بعرض المترين تعلوها شراعة من الزجاج الشفاف ، وهى قابلة للفتح والغلق ، بحسب ظروف الجو وتقلبات الطقس .. الاستراحة واسعة ، وقلما تستعمل الأسرّة ، فالشغالة عادة ما تستلقي على الأرض لتستريح لبعض الوقت على الكليم ، كما أن الأسرة ليست مهيأة للنوم ، وهى من النوع الراقص على أنغام سوس خشبها .. رابضة هي ، الأسرّة ، تحكى في صمت قصة زمن " يا ارض أنهدى . م عليك قدي" .. رأت "أم محمود" الشغالة أن تربى فيها البط والكتاكيت الصغيرة ، فالحجرة محكمة ولا تقربها "العرس" في المساء .. المكان أمان .. وفى بعض الأيام يشاركها زوجها الحجرة .. ولولا زياراته ، هو وبعض من أصدقائه ، لما كان للشيشة اثر أو للكوالح ، عادة ما ينتهي عملهم بالفيلا قبيل غروب الشمس ، فيصطحب زوجته إلى دارهم بحي الطراسين بناحية البحر (النهر) على أن تعود هي في الصباح الباكر لخدمة الهانم . مدام سالي ( سلوى) زوجة " السيد نور " والتي استقلت تماما بالدور الثاني ( الأول علوي ) كما استقلت بزوجها أو استولت عليه ، كما تقول دوما السيدة " سعاد الانور" والدته ..أما "السيدة" كبرى الأبناء ، فهي متزوجة منذ ما يقرب من عشر سنوات أو يزيد قليلا .. زوجها هو السيد " عتمان الاشرف " المدرس بالمعهد الديني للفتيات ، قلما تزور أمها تجنبا للمشاكل والاحتكاك بـ " سالي " ..
جلست ممدة ساقيها في السرير ، تحت اللحاف من قماش الستان الأحمر ، تزين حوافه الكرانيش ، مسندة رأسها إلى السنّادة ، أما هي فكانت واقفة : " لا يا ستى . ما تسكتيش عليها كده .. كل زمايلها أتجوزوا .. وهى صلاة النبي أحسن . زى القمر ، اى ، والنبي زى القمر .. " .. كثيرا ما كانت تشغلها حكاية ابنتها " ليالي" ، وكثيرا ما كانت تردد : " منها لله .. كان زمانك يا بنتي متجوزة من خمس سنين .. " .. انصرفت " أم محمود" إلى المطبخ حيث المواعين بعد انتهاء الأسرة من تناول طعام الغداء . سعاد الانور وزوجها "زين الدين الدالي " وابنتها "ليالي" ، وهم أفراد الأسرة في الوقت الراهن ، فقد سافر فتحي إلى الكويت ، أما عبود فهو مقيم ببرج العرب بعدما احتدم الخلاف بينه وبين والدته يوم أن قررت بيع الفدان ونصف من اجل زواج شقيقه "نور" ، قال لها ، لامه : " أنت لا تتعلمين من أخطائك أبدا .." قال لها ذلك ، وهو يذكرها بيوم أن باعت فدانا للإنفاق على زواج شقيقته " السيدة " ..
سألت نفسها : " يا ترى يا أم محمود عندك عريس واللا إيه ؟!" .. فرغت أم محمود من غسيل المواعين .. صوت دبيبها بالشبشب البلاستيك يرن في الصالة التي كادت أن تكون خالية إلا من بعض المقاعد الفتيه القديمة المتآكلة ، والتي تحمل، كأثر ، تاريخ زواجها من " زين الدين الكلاف " .. نسبة إلى عمله ككلاف في زريبة الباشا أيام العز والهنا .. اسمه الحقيقي " زين الدين الدالي " وهو سليل عائلة عريقة ابتلع الزمن كل ما كانوا يملكون ، فلم يترك لهم إلا حسن السيرة أو الهبل كما هو معروف عنهم وشائع منذ أن كانت المدينة قرية متواضعة ، وبيوتها من الطوب اللبن ، مسقوفة بالبوص والخشب " البغدادلى " .. ترامى صوت الدبيب إلى سمع " سعاد الانور" أو "سعاد هانم " : تعالى يا أم محمود . عايزاك في كلمة .. " هرولت " أم محمود" .. دخلت وهى تنظر إليها نظرات استفسار، ألم تغرغ من غسل المواعين للتو . يبقى فاضل إيه تانى ؟! : " ايوه يا ست الهانم ؟!!" ، فأشارت إليها بالجلوس بكثير من احترام لم تتعوده : " اقعدي يا أم محمود . اقعدي . هو أنت غريبة !!؟ " كانت أول مرة تجلس فيها "أم محمود" على سرير الهانم ، فأيقنت إن الهانم تريد منها شيئا ثمينا .. " يا حسرتى همّ ما معمش فلوس !!؟ " .. سألتها الهانم : " هو أنت يا "أم محمود" عندك عريس لـ ليالي ؟ " .. كانت الهانم تعرف أن "خيرت" يشغل موقعا مهما في إحدى الشركات بالقاهرة ، إذ كان ماهرا في علوم الحاسب ، ومتخرجا في كلية التجارة منذ ثلاث سنوات .. فهي ، الهانم ، لم تنس ما قالته لها "أم محمود" عصرية ذات يوم ليس ببعيد : " محمود بـ يقبض تلات آلاف جنيه ونصف .. " لم تقل لها "أم محمود" ذلك من باب الفخر أو الدعاية ؛ لانها كانت ، فى هذا التوقيت، تبكى وتتحسر ، مثل "نجية" الفلاحة التي غرقت ارض زوجها فى موسم القطن العام الماضي ، فكان يوما حزينا للغاية .. على ما يبدو أن " أم محمود" قد أدركت ذلك بفطرتها ؛لانها قالت للهانم : " والله يا ست هانم . اللي ما له خير في أهله . ما له خير في بنات الناس .. " فبدت على وجه الهانم علامات الإحباط وخيبة الأمل ، إلا أنها لاذت بالصمت وكتمت ما بصدرها ، ثم راحت تلعب بأصابعها في عصبية ظاهرة ، وهى تركز بصرها فيها ، في أصابعها ، ثم قالت بعد فترة ، وكانت " أم محمود " تنظر إليها بشيء من حزن وتعاطف : " كنت فاكره أن عندك عريس!!.. أنا مقصدش محمود ، ولا جه في بالى .. " فقالت لها " أم محمود " كمن وجد حلا لمعضلة : " هات يا ست هانم اترها . الشيخ سبعاوى بركته هايلة وسره باتع .. " فحملقت الهانم ، ورقص قلبها في صدرها .. نهضت من فورها تفتح دولاب الملابس لتلقط منه قطعة قماش تشبه المنديل ، ثم ناولتها لـ " أم محمود" قائلة لها بلهجة توكيد : " خبّيها بسرعة . خبيها حتى في صدرك .. " خبأت "أم محمود" قطعة القماش في صدرها بحسب تعليمات الهانم ، ثم لاذت بالفرار ..تذكرته جيدا .. الشيخ حسن .. " منك لله يا فاطمة يا اختى .. كان زمانك يا بنتي متجوزه من سنين .. "جلست وحيدة . زين الدين الكلاف مكوم على الكنبة البلدي في مدخل السراية يتسلى ، كعادته ، مع المارة أو بالمارة .. " عامل إيه يا شيخ حسن؟ بقرتك ولدت واللا لسه ؟ " ، فرد عليه الشيخ حسن باقتضاب ، وهو يتعجل الخطو في سيره : " لسه .." ، وبعد قليل سأل "توحه" أو" تحية" : " إيه يا توحه . الجواز حلو يا بت ، واللا إيه .. " فقالت له " توحة" ببجاحة ووجه مكشوف ، وهى تتلعبط مثل السمكة : " يا سلام يا عم زين . هو حلو بعقل . إن شا الله ربنا يسعدك يا رب .. " فقهقه عاليا ، وهو يقول لها : " اى ، والنبي يا توحة ادعى لي .. "الغرفة شبه مظلمة . نافذتها ضيقة . اختلطت رائحة البخور بتلك الرائحة العفنة والمنبعثة منها ، ناولته الاتر ، ثم راح يعوز .. كانت ترقبه بانبهار ، وبثقة لا تحد .. بعد قليل قال لها الشيخ سبعاوى بلهجة الواثق من صنعته : " معقدة شوية . لكن بإذن من الله ، سبحانه وتعالى ، محلولة .. غمس في الدواة ريشة بطة بيضاء ، واخذ يكتب على ورقة .. مد يده سحب من تحت الكنبة التي يرقد عليا زجاجة صغيرة ، وطبق .. غسل الورقة في الطبق ، ثم دلقه في الزجاجة بحرص وحرفية .. كتب ورقة ثانية ثم طواها ، وثالثة ورابعة و... قال لها بلهجة الآمر : " تستحم بـ المية دى ، والورق ده . للبخور مع شوية مستكة ولبان دكر .. " ناولته الجنيهان ، تفرسهما ، ثم نظر إليها باستنكار ، فبادرته بقولها : " مجرد ان يتم المراد . لك الحلاوة الكبيرة ، ثم انصرفت .. "لم تفلح في إقناعه .. " الجو يا بابا برد ، تعال فوق . اقعد معانا أحسن . صحتك .. " ، فرد عليها بتهكم : " صحتي !؟ هـء . صحتي يا صحتي .. الهوا هنا يا ليالي يرد الروح ويشرح الصدر العليل ، مش الكتمة اللي فوق ( وهو يواصل ) تعرفي يا ليالي . اللي جرى لامك من الكتمة . طول الليل وطول النهار حابسه نفسها ، زى المساجين . زى م تكون عايشه في تربة .. " .. " بعد الشر عليها يا بابا .. " جلست إلى جواره .. رد عليه السلام : " السلام عليكم ورحمة الله وبركاته . اتفضل .. " فسأل : " هى امى مشيت ؟ " فردت عليه ليالي : " من قبل المغرب . تعال اتفضل .. " ثم سألته : " أنت لسه جاى ؟ تعال . أتفضل . ادخل .." فدخل ، ثم اصطحبته إلى الدور الأول علوي ، سألها وهو يصعد السلم بصحبتها : " ماما ح توافق ؟؟ "
تعليقات
إرسال تعليق