صانع الفوانيس . تاريخ ..
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التاريخ عادة ما يتناول جليل الأحداث وعظيم الرجال، أما الناس البسطاء قليلو الحيلة من امثالى، فعادة ما يذهبون هملا، وكأنهم لم يولدوا أصلا، ولم يأتوا إلى الحياة أبدا .. التاريخ عادة ما يجسد لنا المأساة الحياتية .. التاريخ يقول لنا انه لا أمل في حياة ولا فائدة، فالحياة هي مجرد حلقات (وقائع) في سلسلة الجرائم التي أبدا لا تنتهي ولن تنتهي.. التاريخ يقول لنا بصراحة وفى وضوح: أن الأيام هي مقصلة الجنس البشرى على الأرض، خاصة هؤلاء الذين يقولون:لا، أو يظنون أنهم يقولون الحق أو يدافعون عنه.. الأمريكان مثلا لا يحبون التاريخ؛ لأنه يذكرهم بنجازاكى. يذكرهم بهيروشيما. يذكرهم بغزو العراق . يذكرهم بجنين، الأمريكان مثلنا تماما، فنحن لا نود أبدا أن نتذكر انهيار الدولة الإسلامية، ولا نحب أن نتذكر معايبنا كبشر؛لأننا مسلمون، والمسلم منصاب، ويتحمل الله ـ سبحانه وتعالى ـ مسؤولية خيباتنا وانكساراتنا. الله يتحمل مسؤولية تفرقنا إلى شيع وأحزاب . الله يتحمل مسؤولية جهلنا وتصرفاتنا الغبية.. الأمريكان مثلى تماما، فانا لا أحب التاريخ أبدا؛ لأنه المسئول مباشرة عن مأساة مصطفى كامل.. خرج ليطالب بحقه، فمرض وضاع في مفرمة الاتفاق الودي، وسعد زغلول لم يصل إلى اى نتيجة. قالت كتب التاريخ انه كافح وناضل. والنتيجة؟! هي نفس النتيجة التي وصل إليها ياسر عرفات، هي نفس النتيجة التي وصل إليها محمد كريم، هي نفس النتيجة التي وصل إليها الشيخ احمد يس، هي نفس النتيجة التي وصل إليها جمال عبد الناصر في نكسة 67 ، حتى السادات، فكانت عقوبته الرمي بالرصاص؛ لأنه عبر القناة. لأنه انتصر. لأنه فك اللغز الذي حير العرب جميعا، فصفق العرب جميعا يوم اغتياله .. من حق الأمريكان أن يكرهوا التاريخ، مثلى تماما، فانا اكره التاريخ . اكره كل كتب التاريخ، فماذا سيكتب التاريخ عنى مثلا؟؟ سيكتب التاريخ عنى أنى من حثالة البشر الضائعين.. سيكتب التاريخ ما قد نسيه الناس، لقد نسى الناس اننى ابن السمكري صانع بوابير الجاز، لن يكتب التاريخ أهمية أو قيمة وابور الجاز. لن يكتب ذلك أبدا، وأنا واثق من ذلك، وابور الجاز كان عنوان عفش العروسة، وابور الجاز.. من وابور الجاز يعرف أهل البلدة إن كانت العروسة بنت أصول أم هي بنت ناس وسخة.. من وابور الجاز يعرف أهل البلدة إن كانت العروسة بنت بنوت أو أرمل او مطلقة أو مخرومة. من وابور الجاز تعرف كل شيء عن العروسة .. وابور الجاز.. الذي تفنن والدي في صناعته لتضليل الناس، فكل عروسة هي بنت بنوت . هي بنت أصول من بيت محترم مجيد . كل عروسة أهلها من علية القوم . كل عروسة هي سليلة المجد رفيعة الحسب والنسب، مثل كتب التاريخ تماما ، أو مثل زوجتي تماما، قراءتي للتاريخ كانت هي الكارثة، فكان علىّ أن اختار الانتحار أو الجنون .. الانتحار حرام. اخترت الجنون، كل ما علىّ هو أن أتحمل قذف الطوب من جميع الأحجام ومن جميع الأصناف.. كان الوقت عصرا وانأ في طريقي إلى شارع البحر(النهر) فإذا بصبي في العاشرة من عمره، لمحته وهو يهم بقذفي بطوبة، كما يفعل كل الصبيان في البلدة، غافلت الصبي فقبضت عليه، وإذا بالصبي يصرخ وهو في قبضتي. تجمع الناس من حولنا لصراخه، وكانت ساعة. تكسرت فيها عظامي تحت وطأة الأقدام وانفرم لحمى من اثر الركل والضرب بالأحذية، وتفجر كل جسدي بدمى الذي لوث أرضية الجسر. ذهبوا بى إلى المركز. أحالني المأمور إلى النيابة العامة بتهمة التحرش بصبي في الطريق العام. كان عدد الشهود عشرين نفرا، أما والد الصبي، الذي لم يشهد الواقعة، فقد وقف أمام القاضي ليصور له المشهد ببراعة تفوق خيال مخرج السينما في فيلم الكرنك،اعتقد انه كان من مدمني الأفلام الجنسية على قنوات الدش المفتوحة والمشفرة.. ستة أشهر سجن يا ابن الوسخة يا معفن، اعتقد أنها كانت أول مرة يسب فيها قاض متهم في ساحة العدالة، قال لي المحامى:" احمد ربنا. كان فيها إعدام .."هذا صحيح. فلولا براعة المحامى وتلاعبه بالألفاظ وتلاعبه بالقانون أيضا، لكنت الآن بين الأموات ومحل سكنى الطرب.. الحمد لله.. لا شك أن التاريخ سيكتب تلك الفضيحة وبالتفصيل.. سيكتب التاريخ قصة زواجي وقصة زوجتي .. لا محالة، سيقول التاريخ كل شيء وبالتفصيل، الأمر سهل جدا، فالقضاء عادة ما يحتفظ بسجلات القضايا، كل القضايا، لعرضها في الآخرة على رب العالمين.. سيكتب التاريخ متى تعرفت بزوجتي وكيف تعرفت إليها .. التاريخ يعرف كل شيء، أما أنا فلا اعرف أبدا متى تعرفت بزوجتي على وجه التحديد، كنت صغيرا، كنا نلعب في الحارة مثل باقي الأطفال.. كانت تسكن في بيت أجمل من بيتنا الخرب العامر بالعفاريت والأرواح الشريرة والطيبة، فزوجتي بنت ناس أصول، نعرف ذلك من فساتينها وتسريحة شعرها وطريقة كلامها وأسلوب معاملتها.. كنا في المساء . بعد آذان المغرب بنصف ساعة تقريبا .. تسللت إلى حديقتهم عبر خرق في جدار من السلك الشائك .. زحفت على بطني وأنا ارتعد خوفا من الحرس فينكشف امرى، المسافة بين الفيلا والسور ليست كبيرة، كنت ازحف على بطني كثعبان يتلوى على النجيلة، وعندما اقتربت من الجدار (جدار الفيلا) جلست مقرفصا مختبئا خلف جزع شجرة الجوافة، على ما يبدو أن كلبها تنبه لي؛ لأنه جرى باتجاهي، فتبعته هي، ثم سألتني باستغراب واستنكار:"أنت دخلت هنا ازاى؟؟!" فقلت لها بلهجة لص قبضوا عليه للتو:"من السور .." فضحكت، وايقينت - أنا- في تلك الليلة اننى قد ظفرت بكل شيء، وبدأت القصة.. كثيرا ما كانت امى تحدثني عن خالتي ميمونة التي لا اعرفها ولم أرها، مع الأيام والسنين كبرنا.. ومع الأيام والسنين عرفت عنها كل شيء وعرفت هي عنى كل شيء.. عرفت أنها بنت خالتي ميمونة، كما عرفت أن السيدة التي ترحب بى وتستقبلني مع كل مساء هي خالتي ميمونة شقيقة امى، وسارت بنا الأيام والسنون نلهو ونلعب ونسهر ونتسامر.. كانت نادية (بنت خالتي ميمونة) مثل قناة الجزيرة تماما في هجومها على امى والسخرية منها ومن أبى كسمكري بوابير، قلت لأمي ذلك ، فقالت لي: قل لها لو لم تسرق أمك ارض أبيها وأمواله، ما كنا الآن نعبّروهم حتى في الجزمة .."فكنت اضحك من امى واسخر، فمن كتب التاريخ عرفت أن الفقراء عادة ما يتهمون الأغنياء بالصوصية، كما نفعل تماما مع العالم، فكثيرا ما نتهمهم بسرقة ارض فلسطين أو نتهم الأمريكان بسرقة العراق .. الفقراء لا يجيدون الحكم على الأشياء؛ لأنهم لا يملكونه أصلا.. كانت فيلا خالتي ميمونة حالة خاصة ، فلا اثر فيها لوابور الجاز، وكنت أنا (في أول الأمر) اعتقد أن السبب في ذلك هو الخلاف بين الأسرتين: أسرتنا وأسرة خالتي، ولكنى اكتشفت بعد ذلك أن السبب هو البوتاجاز، البوتاجاز هذا المخلوق العجيب الذي قضى على أحلام أبى وآماله وطموحاته.. كانت خالتي ميمونة هي السبب المباشر في انتشار تلك العادة، عادة استخدام البوتاجاز، فيما بعد، فتأثرت صناعة البوابير وكسدت.. فكرت طويلا في الموضوع خاصة بعد وفاة والدي كمدا . اقترحت علىّ نادية أن اعمل بصناعة الفوانيس، خاصة وقد ورثت (أنا) عن والدي مهارة السمكرة.. فقررت إعادة فتح الورشة، وحوّلتها إلى ورشة فوانيس.. في أول الأمر كنت أجهز الفوانيس لاستخدام الشمع في عملية الإنارة ، وكنت أبيع الفانوس وعليه هدية خمس شمعات، فراجت تجارته وراجت صناعته، وتحسن دخلي، فأصبحت صاحب ثروة.. اعتقد أن كتب التاريخ ستسجل ذلك أيضا.. سيسجل التاريخ مهارتي في صناعة الفوانيس ، وسيسجل التاريخ عبقرية زوجتي .. تقدمت لخطبة نادية، فرفضت خالتي ميمونة .."يا لهوى!! أجوّز بنتي لسمكري ؟؟! .." أصرت نادية .. اضطرت خالتي ميمونة للموافقة على الجوازة السودة، فقد هددتها نادية بالزواج العرفي، أما خالتي ميمونة فقد خيرتها بين الزواج منى أو التنازل عن كل نصيبها من الميراث، فتنازلت نادية عن كل نصيبها، ثم تزوجنا.. راجت صناعة الفوانيس.. قالت لي زوجتي: حاول أن تستخدم اللمبات الكهربية الصغيرة بدلا من استخدام الشمع . الفكرة جيدة .. تطورت صناعة الفوانيس ، وزاد الإقبال عليها بشكل غير عادى وغير متوقع .. فتعددت الأشكال والأحجام .. سيكتب التاريخ كل ذلك وبالتفصيل، وسيكتب قصة خالتي ميمونة؛ لانها صاحبة أول فيلا في البلدة " فيلا السعادة "، كما انه حتما سيكتب عن شارون كبطل مؤسس لدولة إسرائيل، ولكن التاريخ حتما لن يذكر أعداد القتلى ولن يذكر حجم الدمار ولا حجم الخراب، لن يذكر لنا التاريخ ( مثلا) لصالح من يعمل شارون؟ أو لصالح من يعمل اولمرت أو نتنياهو؟ فالغرب يكرهون (مثلنا تماما) نظرية المؤامرة، تلك مسائل لا يكتب التاريخ عنها، فما يهم التاريخ هو الوقائع، تزوجت فلانة يوم كذا بتاريخ كذا ساعة كذا، ولكن كيف تزوجت؟؟! فالأمر ليس من اختصاصات التاريخ، الأمر من اختصاصات الرواة، فنقرأ الحدث الواحد ألف حدث، وكأنه لم يقع أصلا.. سيكتب التاريخ كل الوقائع، أما الرواة فسيقولون الكثير والكثير جدا عن خالتي ميمونة وعن فيلا السعادة وعن قبور البنات، سيذكر لنا التاريخ عدد قنوات الدش، فأما الرواة فسيقولون الكثير عن البرامج الممتعة والمسلية خاصة تلك القنوات التي تعج بالفتاوى القيمة والمربكة اللي تلخبط العفريت وتحير الجن وتخبل الشيطان .. انتشرت الفوانيس في كل مكان، فالفوانيس من الحجم الكبير فهي معلقة في الهواء ومشدودة بالسلك أو بالحبال بين العمارات والبيوت، أما الصغيرة فيلهوا بها الأطفال في الشوارع والحارات والأزقة.. " لولا حمو بيه ما جينا . يا الله الغفار.. يحل كيسه ويدّينا. يا الله الغفار.." ..طلبت منى شركة الكهرباء التوقف فورا عن صناعة الفوانيس، فهي مهلكة للكهرباء ومبددة للطاقة.. تدخّل رئيس المجلس واقنع الشركة ، وقال لهم : اتركوه لما بعد رمضان ، ثم ضلموها بعد ذلك على الناس .. " فاقتنعت شركة الكهرباء .. راجت صناعة الفوانيس وراجت تجارته ، وثقل بالنقد جيبي وامتلأت به (بالنقد) خزانتي .. كان اليوم يوم خميس ، وكانت الساعة العاشرة تقريبا عندما سألتني وأنا أصلح الفانوس لطفل في السابعة من عمره : " أنت بسلامتك ح تروّح امتى؟؟!" قالت لي ذلك وكأنها تسخر منى أو تستهزئ بى .. " كانت تسبق كلماتها رائحة العطر التي تفوح منها .. كانت كلماتها كاللحن العذب المنساب ، وكأنها تشدو .. كانت الكلمات ترقص منتشية على شفتيها .. يا لها من ليلة راقصة ممتعة.. تطلعت إليها أتفرس وجه صاحبة الصوت.. " يا الله . يا الهي. يا عالم. يا خلق الله. معجزة.. البدر من السماء قد نزل وعلى الأرض قد مشى وامامى قد وقف، ثم ابتسمت- أنا- في فرح وسرور وغبطة وأنا التهمها التهاما ببصري، فنظرت (هي) إلى بدهشة :"مالك يا راجل. اتنيلت كده ليه؟؟! ما شوفتش مرة قبل كده؟؟! " ثم واصلت كلامها: " يا لله بينا. الساعة بقت عشرة ، وأنا عايزة أنام .. كفاية سهر لحد كده .. " الله يخرب بيتك وبيت أمك، فيه مرة في الدنيا تروح الكوافير الساعة ستة . تطلع منه الساعة عشرة ؟؟! طيب يا بنت الصايعة، والله لـ م خللي ليلتك بيضا وصفرا وحمرا وبنفسجي.. يا الله بينا نروّحو .. راجت صناعة الفوانيس وراجت تجارته، وجاءت الصين، فتذكرت خالتي ميمونة والبوتاجاز.. تذكرت والدي ساعة أن كان مسجى في فراشه يلفظ أنفاسه الأخيرة، ونحن من حوله نبكى وامى وهى تنتحب.. امى لا تعرف دور الصين العظيم، ولكنها، على كل حال، تعرف جيدا سور الصين العظيم ..
تعليقات
إرسال تعليق