الجوال الملعون
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نظرا لضيق ذات اليد، وسوء احوالى المادية، فانا لا امتلك سلة خضار.. كثيرا ما كانت تنبهني زوجتي إلى هذا الخلل، وكثيرا ما كنت أنبهها وأقول لها:"يا ولية خلى عنك دم، وحطي في عينك حصوة ملح .." .. عملية شراء حاجيات / طلبات البيت هي من مهام زوجتي والموكلة إليها.. وجرت العادة أن تضع زوجتي كل ما تشتريه لنا من السوق في جوال قديم مستعمل أو نصف عمر، يعنى على قد الحال، وكان الجوال ( الشوال) عنوان حالنا، وكأنه المتحدث الرسمي باسم كل أفراد الأسرة، فما من احد يرى الجوال محمولا على رأس زوجتي، إلا وعرف عنا كل شيء وبالتفصيل.. جوال فضيحة لا يدارى اى شيء ولا يخفى أبدا حقيقتنا، واعتقد أن هذا الجوال الملعون هو السبب في تأخر زواج بناتي الثلاث إلى الآن، وكثيرا ما كنت اسمع الناس وهم يتكلمون عنا بوقاحة، وكانوا (منهم لله) يتعمدون أسماعنا ما يتحدثون به ويتكلمون .." يا شيخه نيّليهم بستين نيله .. دول بنات فقر وعنطزه.. يا اختى الحلاوة في السوق على قفا من يشيل .." كنت اسمع و زوجتي ذلك الحديث وأسوأ منه فالتزم الصمت، أما زوجتي فكانت ترد عليهن أو عليهم بالمثل المصري الشهير: " اللي ما يشوف من الغربال يبقى أعمى .." جمال البنات وجمال الخصال ثروة اى أب وأي أم ، ذلك ما اعتقدناه أنا وزوجتي، ثم (للحقيقة) اكتشفنا أن الصواب عكس ذلك تماما، وعلى رأى المثل: " بفلوسك بنت السلطان (ولو عورة) عروسك .. " ومنه لله الجوال. فضحنا في كل حتة وخللا سيرتنا على كل لسان، وقعّد لنا البنات بايرة نلحسوا من جمالهن وجمال خصالهن .. الجوال. منه لله .. نيّل الدنيا بستين نيلة .. وكالعادة. ذهبت زوجتي إلى السوق لشراء الطلبات، وكالعادة أيضا، رجعت (زوجتي) إلى البيت بسلامة الله، وكالعادة أيضا، فتحنا الجوال (الشوال) وكالعادة تحسرنا. طمطماية وبططسايتن وأربع بصلات وسمكتين، وكالعادة. أقسمت زوجتي بالله العظيم أنها قد اشترت كيلو طماطم وكيلو ونصف الكيلو بطاطس وكيلو ونصف بصل وكيلو سمك، وكان عدد السمكات ست سمكات.. لم يصدقها احد من الأبناء، فما هو على الأرض دليل كذبها ودليل حنثها في اليمين، وراحوا (وهذا من حقهم) يكيلون لها التهم .. " معنى كده يا ست ماما انك اكلتى الباقي في السكة .." .. حاولت إقناعهم ، فليس من المعقول أن تأكل أمهم السمك نيئ، أو البطاطس مثلا.. رجعت زوجتي إلى السوق ثانية وقمت أنا بحراستها، و أثناء عودتنا كنت- أنا- أركز بصري على فمها وعلى الجوال الذي تحمله فوق رأسها وهى قابضة على عنقه.. عدنا إلى البيت . كانت الحسرة اكبر. نفس النتيجة.. طمطماية وبططستين وأربع بصلات وسمكتين، وكان اليوم ككل يوم سبقه ، أسود من قرن الخروب ، واتهمني اولادى بالتواطؤ مع أمهم .." انتم بسلامتكم، يا أولاد الكلب، عاملين مؤامرة علينا!!؟ " فتذكرت ما نقوله نحن عن أوربا وأمريكا.. جلست زوجتي تبكى وتنتحب، والأولاد ينظرون إليها بشماتة وبسخرية وامتعاض.. "يعنى تأكلوا أكلنا، ولما نتكلموا تقعدي تعيّطى!!؟ يا شيخه حرام عليكم. اتقوا ربنا فينا .." .. أما أنا، فقد انصرفت عنهم أتصفح الجريدة، ورحت اقرأ مقالا يتكلم عن ضرورة الفصل بين المنصب والإدارة، ويقول الكاتب: أن المنصب من مهامه توفير مقومات نجاح العمل وتحسين الظروف الضامنة لذلك من خلال إبداعاته وفكره ومهارته، أما الإدارة فهي الضامنة لحسن سير العمل، وضرب الكاتب مثلا بالمستشفيات، فكتب يقول: أن مدير المستشفى من واجبه توفير العلاج وجلب احدث/أحسن المعدات الطبية وان تكون له القدرة على رفع كفاءة الأطباء والعمل على تدريبهم المتواصل واطلاعهم على احدث ما وصل إليه علم الطب، والعمل الجاد على حل مشكلاتهم حتى ولو كانت شخصية، أما الإدارة( إدارة المستشفى) فهي مسئولة عن مهارة الأداء والانضباط والدقة في العمل، وقال الكاتب أن من مصلحة العمل ما يمكن أن يسمى بـ"الاغتراب"بمعنى أن يكون مدير مستشفى في مدينة الإسكندرية من أسيوط مثلا، حتى لا يتأثر في اتخاذ قراراته بقرابة أو زمالة أو صداقة، يعنى نشحططوا الناس ونبهدلوهم، والراجل اللي بـ يشتغل كويس وسيرته عظيمة نجيبوه من أسوان للإسكندرية، واللي من إسكندرية نودوه أسيوط. كتّاب آخر زمن.. كما ضرب الكاتب مثلا بالمدرسة، وقال أن المدير مسئول عن توفير الإمكانات وتحسين/ تهيئة المناخ العام والمناسب لعملية التعلم (نفس الكلام اللي قاله عن مدير المستشفى) وكتب يقول: لو أن معلما سرق تلميذا من المدرسة فليس ذلك من مسؤوليات مدير المدرسة، ولكنه من مسؤوليات الإدارة (يقصد إدارة المدرسة) وواصل يقول: أن مدير المدرسة مسئول مسؤولية كاملة عن نقص عدد المقاعد ومدى سلامتها ومدى ملاءمتها للتلميذ، المدير مسئول عن سلامة صنابير المياه في كل لحظة من لحظات مدة العمل وفترة تواجده، يعنى أن المقاعد وصنابير المياه عنده (عند الكاتب) أهم واخطر من سرقة تلميذ بحجة أنها (عملية السرقة) من مسؤوليات الإدارة!!!؟ على ما يبدوا أن هذا الكاتب الهمام قد فقد الكثير من عقله ومن رشده. مرة يشحطط المديرين ومرة كل همه الكراسي وصنابير المياه.. لم أتحمل تكملة قراءة المقال وهذا الهراء . مزقت الجريدة وطوحت بمزقها في إرجاء المكان .."الله يخرب بيت الكتّاب اللي في الدنيا كلها عشان خاطرك .. " لم يخطر ببالي أبدا أن زوجتي تراقبني، فما أن رأت مزق الورق تطير في الهواء ثم تحط على الأرض ، إلا وصرخت في وجهي: " أنت بتعمل إيه !!؟ الله ينيّلك بستين نيلة .." فقلت لها متعمدا السخرية منها ومبررا تصرفي : " دوّري أنت على خيبتك وشوفي ودّيتي البطاطس والسمك فين !!؟ " .. غادرت زوجتي المكان باتجاه المطبخ وهى تتمتم حانقة : " راجل حمار بصحيح .. اعمل إيه ؟! متربي في زريبة .. "
تعليقات
إرسال تعليق