ليال فى المدينة

          

                   ليال في المدينة
               ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   حول الطبلية في شكل دائرة جلس أفراد الأسرة متربعين كعادتهم مع كل مساء لتناول طعام العشاء بعد آذان المغرب مباشرة، وهو التوقيت المناسب لتجمع كل أفراد الأسرة.. سهير الأم، كما يحلو لهم أن يدعوها، ويروق لها، أيضا، بدلا من "أمي"، أما سالمة فتناديها "مامى" متأثرة بزميلاتها في كلية الحقوق بدمنهور، ولكن عبد الرؤوف وسميرة فينادونها: ماما. ماما، أما باقي أفراد الأسرة فـ "سهير": "يا سهير عايزين ناكلوا.. يا سهير عايزين نشربوا.." فتنفذ "سهير" كل ما يطلبونه منها.. كان الوالد "عبد العليم" مشغولا بتوزيع "المنابات" و"سميرة" تراقبه من تحت لتحت.. " لا أنا مش عايزه دى. لا. أنا عايزه دى..".. ضحك "عبد العليم" ثم لبى لها طلبها، وقلما اعترض.." بحبك قوى يا بابا..".. نظر إليها بإعجاب: "البنت دى ح تطلع حاجه كبيره.."، فعلقت سهير الأم، وكأنها تعترض: "ربنا يحيينا.." .. واصلوا تناول طعام العشاء في الزريبة القديمة بعد تعديلها، إذ تحولت إلى مطبخ كبير يحوى البوتاجاز الجديد والفرن بالغاز بدلا من الفرن البلدي وقرف الحطب والجلة، أما الثلاجة فموضوعة على يمين الداخل، وبعد متر ونصف منها، من الثلاجة، نصب حوض غسيل المواعين من الاستانلس، وانشغلت مساحة المتر ونصف المتر بأرفف المواعين المثبتة بإحكام في الحائط المغطى ببلاط السيراميك في شكل موج البحر درجة ثانية. أصر "عبد العليم" على مشاركة الحمار لهم في المكان، فهو مربوط بالمزود الصغير ولكنه، كعادته في تلك الساعة، رابض على الأرضية في حالة سكون، وكأنه يستريح من مشاوير طول النهار، وكثيرا ما حاولت "سهير" إقالته أو عزله أو حتى ربطه مع البهائم في الزريبة، غير أن "عبد العليم" ولبعد نظره أصر على تلك المشاركة وتلك الصحبة.. فهو، الحمار، أقدم بهيم في الدار، كما أنه بوضعه هذا يسهُل استخدامه في قضاء الحاجيات والطلبات التي لا تنتهي على مدار اليوم كله، مثل الحذاء.. كما أن الدوران حول البيت وفتح باب الزريبة الخلفي أمر فيه مشقة.. واضحة هي طرقعة الملاعق في الأطباق، وصوت رشف الشوربة الساخنة الملهلبة.. "الله. أمّا حتة أكلة!! إنما أيه.." فعلق عبد العليم: "ادعى لأمك .."، فانشرح صدر سهير وبدت علامات السرور على وجهها وهى تمد إليه البصر، وكأنه واقف في آخر الدنيا أو في آخر الزمن.. "بصراحة أمي دى ما يعلى على طبيخها.." .. "الله يخليك يا مرزوق يا ابني.." ثم قالت له مواصلة كلامها: "إيه رأيك يا مرزوق يا ابني. أنا عندي لك خبر ح يفرحك قوى..".. لم يسألها مرزوق عن الخبر..

   ألصقت نسرين أذنها بالباب من الداخل، وهى تدعو الله برجاء من كل قلبها: "والنبي. وحياة حبيبك النبي. يا رب..".. لم تكن تلك هي المرة الأولى التي تقوم فيها "سهير" بزيارة أم أيمن جماعة الأستاذ "خليل افندى"، ورغم أن اللقب "افندى" اندثر وبطل استعماله، إلا أن سهير قد ظلت متمسكة به كأهل الشارع، فـ"خليل افندى" دقة قديمة أو هو من شواهد الماضي، كما يتهمه أهل الشارع.. توفيت زوجته وهو في الخمسين من عمره تقريبا، فتزوج بعدها بعامين، وأنجب منها (من زوجته الحالية) ولديه أيمن و نسرين ..

   أفهمته أن المسألة ليست كما يتصور، فما أكثر المتعلمين في الشوارع، المهم أنك تعمل، والشغل في الغيط مش عيب، فقال لها: "المهم عندي. انك موافقة.."، ثم بعد برهة سألها: "افهم من كده أن خليل افندى موافق؟".. "الميه تكدب الغطاس. اتكلم الأول..".. تناول كوب عصير القصب.. أفرغ ما فيه على ثلاث دفعات في جوفه.. أما هي فراحت ترتشف الشاي رشفة بعد رشفة.. "إيه رأيك تسهر عندنا الليلة؟ " فاعتذر لها: "معلش. بكرة عندي شغل في الغيط الصبح بدرى.."

   ما زال رواد العبّارة يتوافدون عليها بأعداد كبيرة، رغم أن الصيف قد أوشكت أيامه المتبقية على الانتهاء.. ارتكن بظهره الى السنّادة ذات الحشو والمكسوة بالقماش الجبردين الأزرق ثم فرد ساقيه. أخذ يلعبهما من تحت الترابيزة، أما هي، نسرين، فقد أمالت وجهها إلى الأمام مثبتة ناظريها بسطح الترابيزة، وكأنها تقرأ في كتاب "نكت مصرية".. لم تشأ أن تنبهه إلى ما يحدثه من ألم بساقيها من أعلى، كانت تضحك مرة، ومرة أخرى تبتسم: "انت حرّان؟!.. إيه رأيك. اقلع الجزمة أحسن" فخلعها ليكون أكثر راحة في جلسته المرتخية وعبثه.. لم تكن نسرين بالفتاة الجميلة الفاتنة، ولكنها خفيفة الظل سمراء رشيقة القوام ساحرة العيون وذات صوت عذب، وكثيرا ما كانت تغنى له: "حيرت قلبي معاك، وانا بـ ادارى واخبى".. "انا هنا هنا يا ابن الحلال"..

   سلمتها "سميرة" ورقة مطوية بعناية وهى تقول لها: "مرزوق بـ يقول لك اتفضلى..".. راحت نسرين تقرأ الرسالة، بينما سميرة ( شقيقة مرزوق الصغرى) تعبث بريموت التليفزيون تقلب في قنواته.. "أنا قلت لأمي، وهى موافقة. مبسوطة قوى. قوى..".. كتبت له الرد وأعطت الرسالة لـ "سمورة" وهى تقول لها بتوكيد: "سلمى لي على ماما.." كانت "سمورة " أو "سميرة" خير وسيط بينهما في نقل الرسائل..

   فرغوا من طعام العشاء، فتسربوا واحدا بعد الآخر، كما يفعل طلبة المدارس في شهر مارس من كل عام.. التمثيلية على وشك أن تبدأ.. بقيت سهير الأم وحيدة غائصة في قلب المواعين وفضلات الطعام بالمطبخ.. قالت وكأنها تتحدث باهتمام إلى أحد: "رزق الشّوية فراخ.." .. جلس "عبد العليم" على السجادة، وقد بدا حريصا عليها، على السجادة، حتى لا تصاب بسوء الحرق من أثر الشرر المتطاير من الكوالح المحروقة لزوم المعسل والجوزة.. راح يقرقر ثم ينفث الدخان.. جلس مرزوق على الكنبة منفردا.. أشعل سيجارة.. بدأ المسلسل، فسكنوا جميعا والتزموا الصمت.. الرقصة رائعة بديعة في ليلة الزفاف الذى لم يتم .. "يا ساتر عليك مخرج. غاوى عكننه.. طيب. كنت استنى لما الفرح يخلص.." فقال له "عبد العليم "الأب، وكأنه يفهمه: "أبو العروسة أصله ابن وسخة. هو السبب في اللى حصل.. " .. فحك "مرزوق" رأسه بكفه ثم ضرب جبهته براحته.. رشق "مرزوق" والده "عبد العليم" بنظرة ذات مغزى، ولكنه لم يعلق، فقال عبد العليم: "علىّ الطلاق أنا عارف هو عايز ايه من ورا الجوازة دى، وأمك مش فاهمة اى حاجة.." .. الكلام لم يعجب "سالمة".. اعترض حودة أو محمود فقال بهدوء الدبلوماسي الحذق: "كل واحد حر. ياخد اللى رايدها.." فقهقه "عبد العليم" عاليا: "آه. انت كده جيت ع الجرح.. انت فاكر أنى ممكن أوافقك؟! لا. بنات الدنيا كلها كوم، وبنت عمك ابن ستين كلب كوم تانى.. يضربني في الغيط، وآخد بنته!!؟ لا. دا بعدك.." .. تغيرت سحنة الرجل "عبد العليم" وبدت ملامحه تعبر عن غضب شديد، وهو يسحب الدخان بكل قوة من الجوزة، ثم ينفثه وكأنه يزأر متحفزا ومتنمرا، وكأنه عازم على دخول معركة قرر أن ينتصر فيها، تعبيرات وجهه وملامحه التي بدت حادة قوية ومرعبة ومخيفة تنم عن ذلك بوضوح.. تدخلت "سالمة" بقصد تلطيف الجو والتخفيف من حدة التوتر التي شملت الجميع، فقالت بغير انفعال وفى هدوء: "العرايس في البلد زى الرز.. اكتر م الهم على القلب.." ولم تترك لأحد فرصة التعليق أو الكلام، ثم قالت بدهاء مواصلة كلامها، وكأن شيئا لم يحدث: "شوف البنت مي حلوة أزاي؟! أهو دا الجواز واللا بلاش.. هو الواد زيدان سابها ليه؟! عسل والله العظيم عسل.." فردت عليها "سمورة" وكأنها في موقف رد الاعتبار: "هي اللي سابته. والله العظيم هي اللي سابته.." فاغتاظ منها إسلام: " بطلي يا بت، هو فيه بنت تسيب راجل!؟.. دا كان حش رقبتها بالمنجل.." فانفجرت "سالمة" بالضحك: "راجل يا ولد. على النعمة انت راجل.." على ما يبدو أن شيئا من السرور بدأ يدب في قلب "عبد العليم".. لاحظ "إسلام" ذلك بفطرته الطفولية؛ لأنه قد توجه بالحديث إلى والده قائلا له بلهجة جادة: "واللا إيه يا حاج عبد المنعم. مش كده؟!" فبادله "عبد العليم" اهتمام باهتمام: "والله يا إسلام يا ابني وبصراحة. الجواز زى م بـ يقولوا عدَل. مش خراب بيوت. يعنى هو يسيبها. هي تسيبه. المهم المصلحة فين؟ المصلحة. الواحد يا اسلام يا ابنى لازم يبص لقدام.." .. انتهت "سهير" من غسل المواعين.. فيلم "عمر وسالمة" كان في أواخره، فسألت: "هي التمثيلية خلصت؟!"، فضحكوا.. تململ "مرزوق" في جلسته.. نظر في الموبايل: "ياه الساعة بقت عشرة ونص.." .. أدرك "عبد العليم" مرماه ومقصده، فقال وكأن الأمر لا يعنيه أو يعنى شيئا: "السهر مش كويس.." فعلقت "سهير": "وانت من امتى بـ تعدّل عليه؟!! م هو كل ليلة ع القهوة.." .. انصرف مرزوق مغادرا الدار، ثم تبعه "محمود".. على ما يبدو أن "عبد الرؤوف" كان يريد أن يقول شيئا، ولكنه تراجع. أمسك ثم انسحب إلى حجرته حيث جهاز الكمبيوتر وعالم النت، وفضّل "عبد العليم" متابعة الفيلم هو و "سهير" أم أولاده وسالمة وسمورة، أما إسلام فراح يغط في النوم في مكانه على الكنبة البلدي. ففردت عليه "سهير" البطانية (الدفاية) وطلب "عبد العليم" من "سهير" أن تخفض من صوت التليفزيون قليلا ..

   حاولت "نسرين" أن تستمع إلى ما يدور، ولكن دون جدوى، فكان صوتهن خفيضا، وكأنهن يتحدثن في أسرار عسكرية.. لم تمكث سهير بالبيت طويلا.. ترامى إليها، إلى نسرين، صوت القبل المتبادلة بين أمها "روحية هانم" و"سهير" زوجة "عبد العليم" وأم مرزوق.. ودّعتها.. فتحت نسرين الباب مخلفة من ورائها غرفتها الخاصة.. بلهفة سألت أمها: "هي ( تقصد سهير) مشيت بسرعة ليه؟!!" .. فقالت لها أمها بأعصاب باردة : " كانت جايه في طلب، وأنا قضيته لها .." فقالت نسرين باستغراب: " طلب!!؟ طلب إيه ده؟!! كانت جايه تشحت يعنى!؟" فقالت لها "روحية هانم" بكثير من اشمئزاز وقرف: "حاجة زى كده.." فأصرت نسرين أن تعرف ماذا دار بينهن، فقالت بغضب: "هو سر؟!! " فأخبرتها "روحية هانم": "كانت عايزه فلوس. جوزها عايز يشترى بقرة..".. علقت نسرين بلهجة أكثر سخرية: "واللا جاموسة.."

   رواد المقاهي، على ما يبدو، ليست لهم الرغبة في السهر هذه الليلة.. كانوا على أمل، ولكن فريق الجزائر هو الذي تأهل، فكافأ المشجعين بالمطاوي.. يكاد شارع بور سعيد خاليا من الناس، سار وبرأسه ليلة أول البارحة وحديث أمه "سهير" ووالده "عبد العليم" وشقيقته "سالمة ".. لم يشغله الماتش ولم يدر بخلده أي حدث من الاحداث التي وقعت في "أم درمان".. كاد التكتك أن يدهسه.. "الله يخرب بيت أمك. مش تفتح يا حمار يا ابن الحمار.." فعلق الشاب سائق التكتك: "الناس ماشيه مساطيل!! الله يخرب بيت الكوره.." .. واصل سيره.. انعطف ناحية الشارع عن يمينه. شارع أبو بكر الصديق.. لمح البلكونة. بابها مغلق. النور مطفأ.. هز رأسه، ثم قال في نفسه: "آه . خرجت .."، وكان نور حجرتها هو علامة اللقاء أو قبول الزيارة.. واصل سيره إلى شارع المحكمة، توقف قليلا ليتأكد.. دون جدوى.. مشى إلى أن وصل شارع البحر (نهر النيل) كما يسمونه، لم يتنبه إلى الشلة وهم جلوس على المقهى في منتصف الطريق.. لمحوه فضحكوا.. لم يعثر على أي اثر لها.. "طارت!؟ في ستين داهية تاخدها  وتاخد أمها..".. سحب كرسي. جلس. جاءه النادل: "تشرب حاجة؟ " فقال بتأفف: "هات زفت.." فحملق الصبي فيه مستفسرا، فطلب كوبا من الشاي..

   كان الشجار عنيفا ومحتدما بين "سهير" وبين "الحمار": "الله يخرب بيت أمك يا ابن ستين كلب. يا وسخ. كده!!؟ كده توسخ الدنيا!!؟ طيب. اعمل أنا إيه دا الوقت؟! "، فتجاهلها الحمار تماما، واكتفى بالنظر إليها. كانت نظراته وكأنها تعبر عن شيء، فضربته بالعصا ثم صرخت فيه توبخه: "أنت بتبص لي كمان!!؟ مش عاجباك؟!!.." على صوت العراك نهض مرزوق عن فراشه ثم أسرع إليها، فوقع بصره على ما فعله الحمار بركن المطبخ.. تقدم ناحية الصنبور ثم فتح البالوعة لتزيل المياه الآثار القذرة، وكان الحمار يتابع، مما أزاد من غضب "سهير"، فقالت لولدها مرزوق، وكأنها تتعجب: "شوف بـ يبص لي أزاي!!؟".. "قولي لي يا "سهير" مين العروسة اللي انت كنت تقصديها ؟" فقالت له "سهير" بلهجة تحد، وكأنها تقر حقيقة: "واحده طلعت صايعه (وهى تواصل) إيه رأيك في بنت عمك سعوده النجار؟ " بإصرار حاول مرزوق أن يعرف تفاصيل الزيارة التي قامت بها أمه لدار خليل افندى، ولكن سهير أصرت على موقفها.. لم تفصح بأي شيء رغم توسلاته.. اكتفت بقولها: "ناس وسخة.."

   توقفت سيارات النقل الثلاث بمحاذاة البيت الذي يسكن فيه خليل افندى، أما السيارة "البيجو" فأوقفها السائق على الجانب الآخر من الشارع. نزل العمال، ثم راحوا في همة ينزلون العفش من الشقة بالدور الثاني علوي ويحمّلونه على السيارات في ترتيب وفى عناية.. أغلق "خليل افندى" باب الشقة، وللإحكام وضع القفل في الرزة.. استقلوا السيارة البيجو، ثم تحرك الركب.
       

تعليقات