بيت جدي
ــــــــــــــــــــــ
وصلت بلدتي "شبراخيت" ودخلتها بدخول العصر مودعا من خلفي القطار"الدلتا" التي تعمل بالفحم ، كنت سعيدا جدا بحفاوة جدي بعمامته الحمراء والملفوفة بالشال الناصع البياض وقفطانه الرمادي من الصوف ماركة هلد ، وسعدت أكثر لحسن استقباله لي : يا أهلا يا أهلا وسهلا . حمدا لله على سلامتك . اوحشتنى كثيرا يا خلبوص ، ثم احتواني بين ذراعيه لاستقر في حضنه الدافئ . شعرت ولأول مرة أنني شخصية مهمة ، وعلى هذا الأساس تصرفت . ظهر ذلك بجلاء و نحن نودع المحطة وأنا أتطلع إلى النفر القليلين بالمحطة . محطة الدلتا .لا شك أنهم قد علموا الآن بوصولي ، وسينقلون الخبر إلى أهليهم وذويهم وستعرف البلد كلها أنني وصلت بسلامة الله في حلتي البيج الجديدة آخر مودة ، أما الطربوش فمدسوس في الحقيبة الكبيرة . يقولون انه سيلغى ولا احد يستعمله الآن غير قليل من الافندية وبقايا الأعيان ، درت برأسي وكأنني ابحث عن شيء أو أتتبع شيئا ، والحقيقة كنت ارغب في التأكد أن كل الواقفين بالمحطة قد رؤونى جيدا. بعد ثلاث دقائق تقريبا اصطحبني جدي ثم سرنا أنا وهو والحمال من خلفنا يحمل الحقائب الثلاث، واحدة على ظهره وفى يمينه الثانية والثالثة بيده اليسرى ، لا شيء يلفت النظر ولا جديد بالشارع الرئيسي والمسمى حاليا بشارع بور سعيد ، وهو الشارع الذي يفصل بين شبراخيت من الجهة البحرية والمعيصرة من الجهة القبلية . دلفنا يمينا إلى شارع البوسته ، ومنه مباشرة إلى أول شارع الجامع القبلي من ناحية النهر . نهر النيل ، كنت أود مواصلة العيش بمدينة الإسكندرية ولكنني اضطررت إلى العودة بناء على رغبة جدي وإصراره . خشيت أن يقطع عنى المصروف أو يغضب علىّ ، وأنا لا استطيع أبدا أن اغضب جدي . وصلنا : أنا وجدي الدار لاندس مباشرة وسط هذا الجمع الغفير القاعدون حول الطبالي وصواني العشاء التي تنتظرنا . جلسنا : أنا وجدي وزوجته توحيده إلى الطبلية الصغيرة ، أما عماتي فلهم طبليتهم الخاصة بهم مع زوجتيه الآخرتين : نعمات ودولت ، وكل متزوج من أعمامي فمع زوجه وبنيه على طبلية متوسطة الاستدارة خاصة بهم ، وأعمامي العذاب على الطبلية الكبيرة ..
كثيرا ما كنت أتمنى أن اكتب قصة ، ولكن الامانى عادة لا تتحقق . مجرد امانى أو أحلام يقظة ، رغم أن جدي . رحمه الله . كان حذقا ماهرا في هذا المجال ، وكثيرا ما كان يحكى وعمى احمد افندى يسجل ، فجدي أمي لا يعرف القراءة ولا الكتابة ، ومن عادة جدي أن كان يملل قصصه في الأوقات الغير مناسبة ، فتجده يوقظ عمى احمد من النوم في الثانية صباحا أو الثالثة أو حتى الرابعة . حدثت . لهذا السبب . مشاكل كثيرة بينه وبين زوجه نعمة هانم ، أما عمى احمد افندى فكان يعتبر ذلك واجبا مقدسا أو واجبا قوميا ، فعمى احمد كان حاصلا على شهادة البكلوريا . وهى تعادل الثانوية العامة حاليا . والحاصل على البكلوريا يحق له أن يحمل لقب افندى " احمد افندى" وللقب تبعاته والتزاماته التي لا تعيها دولت هانم جيدا . جدي يحكى واحمد افندى باهتمام بالغ يكتب ويسجل ، ونعمة هانم تتحسر.
الدار . دار العائلة كائنة بشارع الجامع القبلي بحي المعيصرة . طابق واحد من الطوب اللبن . يحوى أربع عشرة غرفة . ثلاث منها مسقوفة بألواح الخشب والكتل الضخمة المتينة . وخمس مسقوفة بخشب البغدادلى وفروع الشجر ، أما باقي الغرف فهي مسقوفة بالبوص الغليظ " الغاب" المحمل على دعامات من خشب شجر الكافور والجزورين المطلية بالقار . وكلها (السقوف) تشكل سطح الدار ، وهو مرصع بالاسمنت المخلوط بالرمل والحصى ، والحصى في عمومه بحجم حبة العنب البناتى أو الحصرم ..
لجدي غرفتان : غرفة للنوم والثانية للمعيشة ، فيها كل شيء . الكنب البلدي . ثلاثة مقاعد . منضدة صغيرة . بطانية . زير . عدة القهوة والكروية والينسون . أما البصل والثوم فهو معلق بالدوبار المربوط في مسامير مثبتة بالحائط ، وصندوق خشب للخبز محكم الغلق تجنبا لهجمات الفئران . أرفف عليها كتب عادة ما يستخدمها الزوار فيقرؤوا منها وجدي ينصت باهتمام ، ذلك بالإضافة إلى دولاب الملابس للجلابيب والعمائم وفى الأسفل الأحذية ، جدي من هواة جمع الأحذية من كل لون وشكل .. أما باقي الغرف فمنها اثنتين للبنات : روحية وبهية وفتحيه ونجية ، وثلاث غرف للمتزوجين ، وأربع للعذاب ، وللدار صحن كبير غير مسقوف به بعض الشجيرات المتناثرة والتي لا تثمر ، ونخلة تتوسط الصحن فتتوسط الدار أيضا ، واضح أن جدي قد اختتم نسله بالإناث ، فعمتي روحية كانت تكبرني بعام واحد علما بأنها اكبر البنات .
على السطح تكثر العشش . لكل بنت عشتها تربى فيها ما تشاء من الطيور والدواجن . وكانت العشش تعد مصدرا مهما للدخل ، إذ كن يبعن الديوك الرومي والبيض والفراخ البلدي والأرانب في سوق الخميس، وكن يدفعن الأجرة ( أجرة العشش) لجدي في كل أسبوع ، ولا مانع أبدا من دفع الأجرة وزه أو بطة أو ديك رومي أو خمس عشرة بيضة ، وكثيرا ما كان جدي يقترض منهن ، فالديك الرومي أجرة أسبوعين ، والبطة البلدي أجرة عشرة أيام وكذا الإوزة ، أما الفرخة البلدي فهي أجرة أسبوع بالتمام وتعادل الخمس عشرة بيضة ..
كان لجدي ثلاث زوجات لان الرابعة توفيت إثناء الولادة . وعدد الأولاد الذكور ستة عشر ..
الدار . دار جدي . تقع على بعد خمسين مترا تقريبا من جامع المعيصرة القبلي ، وكانت دار جدي في مجملها كمبنى تمثل حالة من الفوضى . مجرد مجموعة من الحجرات المتناثرة والممرات والدهاليز ودورات المياه ، وكانت العشش على السطح أكثر تنظيما منها ، وهى أيضا انعكاسا لحال الشارع إن كان يسمى شارعا . مجموعة من الدور والخرابات والمحال الفقيرة والحقيرة والمنعطفات والحارات . فوضى بكل ما تحمله الكلمة من معنى ، علاوة على خليط الروائح المنبعثة من اثر الطهي خاصة في الفترة ما بين آذان الظهر والمغرب ، فأنت لا تستطيع أن تحدد بالضبط أين تقع الدار ، ومجازا ، بشارع ( إن كانت تسمى الفوضى شارعا) الجامع القبلي بالمعيصرة ، وهى لا تختلف كثيرا عن حال البلدة كلها ، فلا نظام يحكمها ولا قانون يضبطها . فوضى . دار جدي . اللافت للنظر أنها (الشوارع) كانت نظيفة جدا . إذ يتبارى أهل الحي في كنس الشوارع ورشها بالمياه المجلوبة من النهر ، فهي دائما نظيفة ، وتلك هي الحسنة الوحيدة التي تذكر إلى جانب هدوء الناس وطيبتهم إلى حد السذاجة أو الغفلة ، وعلى الجانب الآخر من الناحية الشرقية تتكوم بيوت الدعارة والخمارات والغرز والحشيش والأفيون والفتوات والبلطجية وأرباب السوابق ومحترفي الإجرام ، وكلها أمور قد اختفت بعد قيام الثورة ببضع سنوات لتتخذ صورا أخرى عادة ما تكون في الخفاء وبعيدة عن أعين البوليس ، فتلك الظواهر موجودة وغير موجودة ، وهى في عمومها مطلية بطبقة كثيفة من التقى والورع والصلاح ، عزيزي القارئ ، وددت أن أعطيك فكرة موجزة عن "بيت جدي" ، وأحدثك الآن عن جدي نفسه ، فهو يتمتع بقوة شخصيته وورعه وبعد نظره وحكمته ، وهذا ظاهر من تعامله مع زوجاته وبنيه ، فهو الآمر الناهي في البيت ، ولا يقدر احد أن يكسر له كلمة أو يتقاعس عن تنفيذ أمر صدر له . إذ كان جدي في تلك الحالة يبدو وكأنه شخص غير الذي تعرفه ، سافلا بذيئا سليط اللسان مقذعا وبارعا في استخدام عصاته الغليظة غير حاسب لحساب الضربة أين تقع أو أي اثر تحدثه . فكان الكل يهابه ويخشاه ويجتهد التوقي من ثورته وغضبه ..
كان جدي صاحب ثروة وأطيان وله حديقة مطلة على النهر على مسافة تزيد عن النصف كيلو مترا بمائتين متر تقريبا . كان يتعهدها بنفسه فلاحة وريّا ، وكل ما يلزمها من تسميد أو إزالة الحشائش وغسل الشجر ، الخوخ والرمان والبرقوق والجوافة والكمثرى بالإضافة إلى زراعة الطماطم والفجل والجرجير، وتكعيبة العنب التي لم تدم طويلا ؛ لأنها، بحسب قوله تجلب الثعابين والحيات .
كانت علاقتي بجدي متينة وقوية إذ كنت اكبر الأحفاد وأولهم ، وكانت عمتي روحية هي اكبر البنات ، وعن طريق جدي تعرفت إلى السيد عبد المنعم السوالمى الذي تزوج عمتي روحية فيما بعد ، بعد بضعة أشهر وقبيل وفاة جدي، وهى تكاد أن تكون صورة من جدي شكلا وطباعا ، غير ما هنالك أنها كانت ذات بشرة سوداء مثل أمها ..
حياة جدي تكاد أن تخلو من الأحداث التي تستحق التسجيل أو حتى الذكر . مجرد رجل عاش . تزوج . توفيت زوجته الرابعة . أنجب البنين والبنات . عاش ثم مات . توفى جدي عن عمر ناهز السادسة والتسعين . تعرفت إليه وعايشته فترة من الزمن. يحكى الحكايات وعمى احمد افندى يكتب ويسجل ما يملى عليه في ساعات متأخرة من الليل ، وعلى الزائر قراءة الكتب عليه في مقابل فنجان قهوة أو كوب ينسون ..
مات جدي لتبدأ بوفاته القصة أو الحكاية ..
كانت الساعة الرابعة إلا ثلثا تقريبا عندما وصل بنا القطار . كنا ثلاثة : أنا والشيخ محروس البرعى والشيخ حسن أبو الفضل ، ما كدنا ننزل من القطار بعمائمنا وقفاطيننا إلا وانتابتنا دهشة عظيمة . المحطة . محطة مصر . الناس من كل صنف ولون . الرجال بين مرتدي الجلباب ومرتدي الحلة . النساء العاريات والكاسيات والحبرة واليشمك ، وذات الشعر الطويل المتهدل والمقصوص ، وكأننا في مولد سيدي إبراهيم الدسوقي وأصوات البائعين تملأ المكان وهم يفرون ويكرون وكأن الأرض تبتلعهم فجأة وتنشق عنهم مرة أخرى أيضا فجأة . جلسنا على أريكة مثبتة بأرضية رصيف المحطة ننتظر الشيخ محمود سلامة . إذ كان موعد التقائنا به في تمام الساعة الخامسة مساءا لإرشادنا إلى محل سكننا بحي الجمالية بالقاهرة . فنبيت فيه الليلة وفى الصباح نتوجه إلى الأزهر الشريف حيث نتلقى فيه دروس العلم ونكمل دراستنا الدينية وكلنا يبغى نيل "العالمية" (العالمية كانت هي شهادة التخرج في الأزهر الشريف) وفى الموعد المحدد حضر الشيخ محمود سلامة وكان حفيا بنا كل الحفاوة واستقبلنا أحسن استقبال . ونتوقف هنا لنكتشف أن جدي لم يكن أميا كما كنت أتصور أو كما اعتقدت ، فهو يجيد القراءة والكتابة ويمتلك اللغة امتلاكا ، الغريب في الأمر أنني لم أكن اعرف تلك الحقيقة في الوقت المناسب رغم كل الدلائل والشواهد ، فما أكثر الأشياء التي نجهلها وهى اقرب ألينا من كفينا، والغريب أيضا أنني كنت على علم بان جدي كان يتلقى العلوم في الأزهر الشريف بالقاهرة ، ويواصل جدي كتابة مذكراته بالتفصيل وبكل دقة ، ويوضح لنا كيف يعيش طالب الأزهر في ذاك الزمن وما يلاقيه من متاعب ومنغصات . توفى جدي ، ودخل الأبناء في سلسلة من حلقات الزواج ، و تولت عمتي روحية عملية إدارة المنزل والإنفاق على العائلة بسخاء منقطع النظير، فهي(عمتي روحية) لا تؤخر لواحد أو لواحدة طلبا ، وكان يساعدها في ذلك زوجها السيد عبد المنعم السوالمى باش محضر المحكمة ، لدرجة أنهم لم يشعروا بوفاة والدهم بما فيهم زوجاته الثلاث ، وفاتنى أن أقول لك أن جدي قد تزوج بالعديد من النساء معظمهن قد توفين في حياته ومن بينهن جدتي ، فأنا لم أرها ، يقولون أنها توفيت وأنا في الرابعة من عمري ، وكان من عادة جدي أن يدس أوراقه في خزينته مع الحجج التي تثبت ملكية أرضه وأيضا أمواله، وكانت للخزينة دلالتها الخاصة فهي تنم عن ثروته وثرائه . اطلعت على الكثير من القصص التي كتبها جدي ، واطلعت على جانب كبير من مذكراته وكيف تعرف على زوجاته وظروف زواجه من كل واحدة بني بها . ويقول جدي : " كنت امتلك دكانا بالقسرية . كثيرا ما كانت تتردد على الدكان فتاة جميلة خفيفة الظل لشراء العسل الأسود والكرملة . عرفت أنها بنت السيد الحصراتى ، فكنت ، من باب العطف ، أعطيها الكثير وأتقاضى منها القليل . لاحظت أنها لماحة ذكية . إذ كانت تصر في كل مرة على دفع الثمن الحقيقي لكل ما تشتريه منى . بعد شهر تقريبا قدمت فاشترت منى لوازمها من عسل وسكر وشاي وملح وصابون وفلفل اسود ، وكلها تكفى حاجة البيت لمدة أسبوع . ناولتني الثمن لا ينقص مليما واحدا . رددت عليها نقودها كلها وعزمت ألا أتقاضى منها مليما ثمنا لما اشترته . فردت علىّ "السّبت" بكل ما احتواه . فأمسكت بكمها وكأنها لصة ضبطت لتوها بما سرقت ، وقلت لها : هذا مهرك يا بنت الحلال . فقالت ، لا أدرى إن كان في وقاحة أو في جرأة غير متوقعة : وأنا قبلت ، ثم انصرفت وهى تحمل السّبت فوق رأسها . تزوجتها بعد أسبوع ." هو يتحدث ويسجل مذكراته عن زوجته توحيده ..
كما وعدتني عمتي روحية أن تبحث معي مساء هذا اليوم موضوع القصص بحسب وصية جدي ، على ما يبدو أنها قد نسيت الموعد ونسيت أننا سنناقش المسألة في اليوم التالي لليلة الأربعين . في هذا اليوم وفى الثامنة صباحا وقفت عمتي روحية لتشرف عل نقل أمتعة جدي ومنقولاته من حجرتيه : حجرة النوم وحجرة المعيشة إلى غرفة داخلية مظلمة عادة ما كانت تستخدم كمخزن للكوالح وخشب التدفئة في فصل الشتاء ، أما النساء فكن في سباق مع الزمن لأخذ ما يمكن أن يكون نافع لهن مثل البصل والثوم والزير والكنب البلدي ، أما الخزنة فلم تراوح مكانها ، مما جعلني أكثر اطمئنانا على ضالتي المنشودة . أنها ثروة هائلة لا تقدر بثمن . سأنشر كل تلك القصص باسمي . لا شك أنها ستدر علىّ دخلا هائلا وأصبح من المشاهير في عالم الأدب . عمتي روحية امرأة جاهلة لا تقدر قيمة تلك الأوراق ، وعمى احمد افندى الأمر لا يعنيه من قريب أو من بعيد . كل ما يهمه الميراث . الثروة ، فهو يرغب في بناء فيلا تماثل فيلا خيرت بك لإرضاء زوجه نعمة هانم التي كثيرا ما كانت تنتظر وفاة جدي بفارغ الصبر ؛ لان وفاته وانتهاء اجله هو الحل الوحيد للخروج من أزمتها ، وهى (نعمة هانم) لا تقدر أن تفصح عن رغبتها لعمى احمد افندى وإلا كان طلقها ، قالت لها أمي ذلك بصريح العبارة : لا . لا . يا نعمة هانم لو سمع احمد افندى الكلام ده ح يطلقك . اصبري يا اختى ولما الراجل يموت ونورثوا . نعملوا كل اللي نفسنا فيه .. لم أفاتح عمتي روحية في موضوع القصص . كانت مشغولة في تلك الأيام . تنهى وتأمر وكأنها جدي حي يرزق ، ولكن في صورة امرأة سوداء ، ولا يملك احد إلا طاعة أوامرها . وبعدين يا أبو خالد ؟!! هي أختك روحية ح تفضل كده كابسة على نفسنا . نقسّموا الميراث وكل واحد يروح لحاله . يعنى إيه يا مرة يا وسخه يا بنت الكلب يا سافلة . انت عايزه تخربي الدار وتقعدي على تلها !!؟ فصمتت أمي ولم اسمعها تفاتح والدي في مسألة الميراث خشية أن يطلقها .
استأثرت عمتى روحية وزوجها عبد المنعم السوالمى بالحجرتين . أجرت بعض التعديلات بحيث تكون الحجرتين منفصلة تماما عن الدار . حجرة للنوم وحجرة صالون يفصلهما دهليز بعرض مترين وبطول ثلاثة أمتار ونصف عن الحمام ودورة المياه، والباب المؤدى إلى الدهليز لم أره إلا مغلقا طوال الوقت تقريبا ، والى جوار الباب تجلس " أم السعد" الخادمة ، وهى سيدة في الأربعين من عمرها تقريبا تتسم بالفتوة والنشاط والحيوية . ذكر في صورة امرأة ، وهى أكثر سوادا من عمتي روحية ولها صوت يميزها عن سائر النساء اللائي خلقن ، ولها ولد وبنت في سن الصبا . ومبيتهم على السطح في عشة عمتي بهية التي تزوجت مؤخرا ورحلت عن الدار . واضح أن السيد عبد المنعم قد تأثر بعمله في المحاكم كباش محضر من حيث المبنى والتنظيم والإدارة ، وعرفنا جميعا كلمة "شقة" لأول مرة في تاريخ البلدة . شقة عمتي روحية . من فضلك ابلغي عمتي أنني أريد مقابلتها . فتحت الباب ثم دخلت ، لا شك أنها ستبلغها طلبي . انفتح الباب . ظهرت فجأة . بعد المغرب ، فانصرفت على أن أعود إلى زيارتها بعد المغرب بحسب الموعد . استقبلتني في غرفة الصالون ، ظننت أنني قد رحلت إلى عالم آخر . الستائر . النجف . السجاد العجمي والمماشي والكلوب المدلى من السقف بسلسلة فضية ينبعث منه النور لينعكس على الأثاث فيزيده رونقا وجمالا والجدران مطلية باللون اللبني الفاتح الأقرب إلى اللون الأبيض . الله يرحمك يا جدي . في أدب جم جلست على الكرسي الفوتيه النبيتى في كحلي . اعتقد أن عمتي روحية تتهيأ لاستقبالي . دخل صبى في الخامسة عشرة من عمره : تشرب إيه حضرتك ؟ كازوزة من فضلك . الصبي هو حمد بن الخادمة "أم السعد" . انصرف حمد بجلبابه الأبيض وحزامه الأخضر الملفوف بعناية حول خصره وطاقيته البيضاء على رأسه مثل قرطاس اللب المقلوب . بعد ربع الساعة تقريبا عاد مرة أخرى يحمل صينية عليها فنجان قهوة . أشعلت أنا سيجارة ونجز . انتصبت واقفا لأصافح عمتي روحية التي دخلت لتوها . واضح أن عمتي روحية قد ودعت الجلباب بسفرة والمنديل بأويه والخلخال والقرط المخرطه . البالطو اسود محلى بالفرو يتبدى من تحته الفستان الفستقي وشال احمر شفاف حول رقبتها في غير عناية متعمدة ، أما شعرها فمقصوص ومصفف بعناية مبالغ فيها وذلك نلحظه من القصة المائلة ناحية حاجبها الأيمن وكحل عينيها . أهلا يا سيد خالد . تفضل . عدت إلى مقعدي وجلست تنفيذا لأوامر عمتي . غريب غريب في بيتي . كم من ليلة بها قد مضيت وأنا أطالع وأقرأ القصص والمذكرات . مددت بصري أتطلع إلى خزنة جدي المدفونة في الحائط وبابها الحديد مطلي بنفس لون جدران حجرة الصالون ، وهى الأثر الوحيد أو الشاهد على انه كان لي جد في يوم من الأيام وتلك هي غرفته . والله يا جدي أنا كنت أتمنى العيش في الإسكندرية . لا. لا يا خالد . الفروع لما تسيب شجرتها الناس تدوس عليها في الشوارع . شجرتك هنا يا خالد . إيه رأيك أنا نفسي تتجوز وتستقر . أنت متعلم ، وبصراحة . أنا معتمد على الله وعليك في إدارة شئون البيت والأرض . أنا كبرت في السن وأعمامك وأبوك زى م انت شايف دهلات . ما عندهم فكرة عن الدنيا . كل همهم الأكل والشرب ، وعمك احمد يتمنى لي الموت النهار ده قبل بكره . نفسه يورث ويبنى فيلا لامرأته نعمة هانم بنت البشوات . يا خالد أنا ( وهو يشير إلى الخزنة ) كاتب الكلام ده ، ودى وصيتى بعد م أموت . عايزك تاخد فكره عن كل حاجة . أنا قلت الكلام ده لعبد المنعم السوالمى زوج عمتك روحية . خللي عنيك دوما عليه . هو خلبوص صحيح لكنه واعي وبيفهم في القانون . وعارف خبايا الدنيا . . دخل علينا السيد عبد المنعم بكامل هيئته . البذلة الكحلى يتدلى من جيب البنطلون الأمامي سلسلة الساعة الفضية والطربوش والمنشة بيده . كدت أضحك . فهو اقرب إلى الممثل الواعي لدوره تماما ، بعد المصافحة والاستقبال الرسمي جلسنا كل في مقعده . عبد المنعم السوالمى رجل وجيه جدا ذات بشرة بيضاء مشبعة بالحمرة يتمتع بجسد جيد يتفق بالصحة والعافية ازرق العينين هيئته توحى بأنه من عائلة عريقة أو هو سليل عائلة بشاوات ، حل على بلدتنا ليعمل كباش محضر محكمة بالشهادة الإعدادية . لا أعرف على وجه التحديد من أي البلاد قد أتى ولا جدي يعرف أيضا . كثير التنقل من سكن إلى سكن . له أصدقاء ومعارف كثيرين . يا عمتي أحاطني جدي رحمة الله عليه بوصية قد كتبها قبل وفاته ، وفيها ما يخصني . الوصية في الخزنة . من فضلك أريد الاطلاع عليها . همت عمتي بالرد إلا أن عبد المنعم تدخل : يا سيد خالد أنت متعلم ولا شك انك تعرف أن متروكات جدك رحمه الله تدخل بالوفاة في مسألة الميراث . هذه مسألة لا أنا ولا عمتك روحية هانم نستطيع التفريط فيها . لا خوفا من احد أو من شيء ولكن خوفا من الله عز وجل ، فهو سبحانه وتعالى المحاسب يوم القيامة . والوصية يا سيد عبد المنعم ؟!! في الحقيقة أنا لم اطلع على الأوراق ، وريثما اطلع عليها سأبلغك بالتفاصيل ونناقش معا المسألة . أليس من حقي الاطلاع على الأوراق ؟!! أنت لست وريثا . لا مانع أبدا من حضور أعمامك ووالدك على رأسهم . رأيت من الأوفق مغادرة المكان . انصرفت ..
ـ كنت في زيارة عمتي روحية بالأمس .
ـ لم أرها منذ مدة . كيف حالها ؟ علها أن تكون بخير وبصحة جيدة .
فقلت له وأنا أتلمظ طعام العشاء :
ـ هي بخير . فاتحتها في مسألة الوصية والميراث .
ـ يا ليلة سوده ومنيلة بستين نيله . انت جاى تخرب بيتنا يا سى خالد افندى !!؟
وكادت أن تحدث مشاجرة هائلة بالملاعق والسكاكين وأطباق الشربة . تدخلت أمي طلبا لتخفيف حدة التوتر بيني وبين والدي : طوّل بالك يا ابو خالد . هو ما يقصدش . خالد نفسه يقرأ قصص جده الله يرحمه . دى كل الحكاية يا ابو خالد ، أما أنا فقد قررت الرحيل والابتعاد عن العائلة وعن بيت جدي، ثم بعد، وكأي شاب استأجرت شقة في بيت السيد عبد الرحمن حسنين ثم تزوجت..
انقطعت صلتي بعائلتي وانشغلت بزوجتي وأولادي وأحوالي المعيشية . لم اعد اعرف عنهم (عن عائلتي) شيئا ولا عن أحوالهم . كل ما اعرفه مجرد أخبار لا أحداث ، فقد علمت أن والدي يعمل صبى بقال في محل عم محمود القيم ، أما عمى عبد الواحد فيعمل فرانا في مخبز فاضل المعداوى، وعمى محمود توفى ورحل أبناؤه إلى كفر الدوار ليستقرون بها وطلبا للعيش . كلها أخبار أو معلومات غاية في السوء وتستحق الرثاء ولا تستحق التسجيل ..
لم تعد للحديقة (حديقة جدي) أي اثر .. الفيلا المقامة على أرضها تقول : كانت هنا حديقة ، وشجر الكافور والجزورين هذا كان في يوم من الأيام سياجها .. فيلا عبد المنعم السوالمى .
أما عمتي روحية فهي تعمل كمربية أطفال في بيت السيد حسن المحلاوي الكبير ..
تعليقات
إرسال تعليق