أحوال الطقس
                                                                (قصة قصيرة)

   الأحوال الجوية وأحوال الطقس، في تلك الليلة العصيبة، ليست علي ما يرام، فالسماء ملبدة بالغيوم التي تصنع سحابة كثيفة من السواد الحالك، فحالت دون رؤية بصيص نور لقمر أو لنجوم، العواصف. الرعد. البرق. هطول الأمطار، علي غير العادة، بغزارة وبكثافة، وكأننا في فصل الصيف بوسط إفريقيا، في تلك الليلة الحالكة السواد انكمش السيد عبد المنعم خير الله في فراشه، وكأنه يمعن في الهرب من قدر لا مفر منه. نبهته زوجه عنَّابة وحذرته من خطر أن تغفو عيناه أو تدركه سنة من نوم فيشخر، فيسمع شخيره عزرائيل المتربص له بالمرصاد خلف باب الدار، لا. بل خلف باب غرفته، عنَّابة في الحقيقة لا تخشي علي زوجها بقدر خشيتها علي نفسها أن يدركها الموت المرجح والمؤكد. الليلة سوداء سوداء، ولا مفر. عزرائيل في كل مكان. الأمطار الغزيرة تتواصل بلا انقطاع، والسحب تشتد في كثافتها وتزداد سوادا علي سوادها: يا لطيف يا رب. يا لطيف يا رب.. عبد المنعم تصطك أسنانه وترتعد فرائصه رغم أللحف والبطاطين المكومة من فوقه، علاوة علي احتضان عنَّابة له، وكأنها تعصره عصرًا، والفراش (السرير) قد أصابه ما أصابهما، فهو الآخر يرتعد وكأن ماساً كهربيا قد أمسك بأوصاله، فتواصلت أنَّاته الملتاعة وصريره المزعج لتتجاوبا مع حالة الطقس البالغ السوء، قالت له عنَّابة تحذره: أوعي يا راجل عينيك تروح في النوم وأروح أنا في ستين داهية. ـ يعني أنت يا بنت الوسخة ما بتشخريش؟؟! الله يفضح أمِك. خليكِ صاحية في ليلتك السوده دي. ـ الله يفضحك أنتَ يا جوزي، ثم حضنته بعنف وبقوة. فصرخ: أي. أي يا وسخة يا بنت المجنونة. كسَّرتِ عضمي. آه، المطر يهطل. الرعد يشتد. البرق يتخطف الأبصار. القلوب واجفة. الأجساد ترتجف. الفرائص  ترتعد. الصمت في قريتنا هو سيد الموقف، فلا نباح لكلب مثلا ولا عواء لكلبة ينهش البرد القارص لحمها وعظمها، لا أحد يتكلم في القرية إلا المطر الزاعق الصارخ والبرق الخاطف والسواد المدلهم الحالك. المطر المجنون الأهوج يضرب الباب في قسوة. يدخل علي أهل الدار بغير استئذان. المطر السمج يغرق الحب ويجبر الحمار والبقرة أن تنفق. الزريبة وغرفة المعيشة قد تحولتا إلي خزان ماء ضخم يكفي أهل القرية لسنوات وسنوات. الدور الأرضي الآن يسبح في المحيط الهندي، وفراش عبد المنعم وزوجه بات كمركب تتلاعب به الأمواج.

       أسوأ لحظات الإنسان هي لحظات الحسرة، وأسوأ لحظات الحسرة هي تلك اللحظات التي يتجمد فيها الدمع في المآقي؛ لأن خسارة الغد أدهي وأمر من خسارة الأمس، فعندما يصبح الإنسان بلا غد فلا إنسان بالمرة، ويا لها من حسرة.

   الأمطار لا تتوقف. تهطل بغزارة. الرعد. البرق. مساحات البرك والماء المتجمع والمرتفع. عبد المنعم لا يبكي. عيناه شاخصة إلي زوجه، وكأنه، من فرط الهم، لا يراها رغم ذراعيها التي تفتك به. ضاعت حمارته وضاعت بقرته وضاع زرعه وحصاده. ضاع غده.  ـ أعمل إيه يا عنَّابه؟! أعمل إيه؟! أروح فين وأجي منين يا ناس؟!  ــ  طوِّل بالك يا راجل. ربك كبير. طوِّل بالك، كل ما يهم عنَّابة أن يكون لها صبح يطل عليها وتطل عليه. عنابة. هل يأتي عليها صبح تستحم فيه وتمشط فيه شعرها، إنها تشعر بأنفاس عبد المنعم الحارة، رغم برودة الجو وسوء الطقس، كلما حضنته بقوة.
    لم تكن حال عنايات المومس بأحسن من حال عنَّابة، زوج عبد لمنعم، في تلك الليلة السوداء، فهي أيقنت أنها قد خسرت العشرين جنيها أجرة الليلة. ـ آه. يا حسرتي! سأسأل الناس غداً فطوري وغدائي وعشائي. أي أناس هؤلاء اللذين سأسألهم؟!! هي موقنة أن كل شيء قد ضاع. الزرع والضرع. ـ أنا لم أفتح زجاجة ويسكي واحدة. يا ليله سوده. ضاع الجنيه ونصف أجرة الفتح.
 
    قبيل الفجر قرر الليل أن ينسحب من المعركة التي شنها علي أهل القرية. واكتفي بأن تركهم جياع وشبه عرايا، فكل ما يمكن ارتداءه في الوحل أو غائص في برك الماء. الليل، أيضا، يتحسر. لم يمت أحد. ـ يا ألف حسرة!!

    شعر عبد المنعم بشيء من التحسن وبشيء من الدفء. اعتدل في فراشه ثم ألقي بساقيه لتستقر قدماه علي الحصير، فانكفأ يسحب حذاءه البلاستك "الطرمبه". حشر قدميه في فردتيها ( فردتي الطرمبه) ثم هم مغادرًا الدار قاصداً المسجد ليستقبل صلاة الفجر. خوض عبد المنعم في الوحل وبرك/ بحيرات الماء. هو ليس بحاجة إلي نور. الطريق إلي المسجد معلومة للكافة من أهل القرية. ـ والله يا رب سأصلي لك من الآن فصاعداً كل الفروض. لن أكتفي بصلاة الجمعة فقط. سامحني يا رب. ـ سأخرج الزكاة بالحق لا رمزا. ــ يا رب أنت تعلم شح زوجتي. لن أسمع كلامها أبدا ما حييت. سأصوم رمضان كله والستة أيام البيض. لن أكذب أبدا بعد ذلك يا رب، وأنت تعلم فساد الناس وسوء أحوالهم وعفن سريرتهم. سأتصدق علي ...

    سار عبد المنعم وهو يضرع إلي الله ويقلب وجهه في السماء، ثم أجهش بالبكاء. عله تذكر عنايات المومس. بدت له في الأفق بعض نجيمات، فأيقن أن الله قد غفر له ما تأخر من ذنوبه وآثامه، فأمعن النظر في السماء وفي النجمات. ذلت قدمه. انكفأ علي وجهه. سقط في بركة ماء، هو لا يعرف أنها بالوعة المجاري التي رفع أهل القرية غطاءها لتلتهم أكبر قدر من ماء مطر ليلة حالكة السواد.             

تعليقات