الدنيا المقلب
ـــــــــــــــــــــــــــ
جُبلت علي حب الناس، وما كرهت أحدا أبدا،
أما حبي للناس فهذا حقي في الحياة ولي فيه متعة خاصة، ومسألة الكره فالبديل هو
الاحترام (احترام الناس) ولا أذكر أبدا أني قد كرهت أحدا، صحيح أن البعض من الناس
كثيرا ما خلقوا لي المشاكل الجمة وتسببوا لي في مواقف عسيرة وكأنها معضلات. حدث
ذلك كثيرا، فكنت أتصرف معهم بطريقة خاصة تشعرهم بما ارتكبوه بحقي دون أي إيذاء أو
تنكيل أو تجريح، رغم أنها أعمال/ أفعال شنيعة، وكثرا ما أرجع تلك الأمور إلي ما
يتملكنا من ضعف إنساني، مثل المرض، ولو أني قد حكيت أو تعرضت لبعض تلك النماذج،
لرأيت فيها العجب الإنساني وكأني أحكي أساطير، وكلها تقوم علي فكرة الإيذاء سواء
عن عمد أو عن جهل بعاقبة الأمور كنتيجة لارتكاب الخطأ، وأنا بطبيعتي أميل إلي
العزلة لا أحب الظهور في الأماكن العامة مثل حضور الحفلات أو الاحتفالات أو
المناسبات إلا فيما ندر، مما يسبب لي الكثير من الحرج، ولكن طبعي عادة ما يغلبني
ويتغلب عليّ.
ولا
أحب أبدا كثرة الكلام أو الثرثرة أو الدخول في الجدل، فكثيرا وكثيرا جدا جدا ما
التزم الصمت، وهذا ما عرف عني، و إذا ما حدث وتكلمت، أنصت إليّ السامع وأصغي
بانتباه شديد وبحرص، وكان ذلك هو سبب/ سر نجاحي كمعلم، وكذا في عملية إلقاء
الكلمات في مناسبات وفي أضيق الحدود، لدرجة أنني عندما عملت كموجه ظنوا (زملائي
وزميلاتي في التوجيه) أني متخرجا في مدرسة الأمل للصم والبكم، وعندما تكلمت بعد
عشرة سنوات دهشوا كثيرا (هذه حقيقة) فتساءلوا: سبحان الله. هو أنت بـ تعرف تتكلم؟!!
لدرجة أن السيد المدير قال لي: "نفسي أعرف مين اللي بـ يكتب لك الكلام ده؟!!"
(وقد استوحيت قصة كثرة تواجدي بالمطبخ من هذا الموقف) والرجل بالطبع معذور؛ لأنه
بعد أن أنتهي من قراءة ما كتبته أصيب بالسكر والضغط وأمراض أخري لا داعي لذكرها.
ومن طبعي أني أميل إلي الهدوء والسكينة
والابتعاد عن لغط الكلام والجلسات الخاصة أو العامة، فعادة لا يراني الناس إلا في
بيتي أو علي المقهى لمدة لا تتجاوز الساعة أو الساعة ونصف، فأنا أحب أن أري الناس
في تلك الساعة، ومن طبعي أو من طبيعتي أنني مقل كثيرا جدا في زياراتي، رغم أن
عائلتي كبيرة جدا، وأعتقد أن ذلك يدخل في ميزان أخطائي.
أعتقد أن تلك الحالة (حالة العزلة) هي رد
فعل قوي لنشاطي الواسع قبل بلوغي سن الثلاثين تقريبا، فكنت أبذل من الجهد ما يفوق
الطاقة.
وأعتقد أن أملي في الحياة كان أكبر من
ذلك، لكن الحياة طلعت أكبر مقلب أنا شربته في حياتي.

تعليقات
إرسال تعليق