حول السرد في الشعر المعاصر







حول السرد في الشعر المعاصر
Abdelmonem Kamel‏ / الفيس بوك/ 17/ 6/ 2013
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   السرد باتفاق المعاجم العربية هو اتساق الحديث وتتابعه في سياق لا يند فيه شيء عن شيء ولا يحيل فيه شيء إلى شيء آخر يعمل دلاليا خارج هذا السياق ، والسرد هو تسلسل الدلالات وتوالدها ونموها في بنية مضمونية متجانسة ، وهو تدفق لغوي متصاعد تتضافر فيه التفاصيل النصية في بناء أحداث مترابطة تنشئها مخيلة السارد وخلق إحالات متلاحمة غير متناقضة في نسيج يحمل وجودا حيويا خاصا ومميزا تشارك في إنتاج خصوصيته وتميزه تجربة متلقيه ، ولا يمكن أن نفرِّغَ السردَ من القص إذ الحكايةُ أصلٌ فيه وجذرٌ من جذوره ، كما أن الصور الشعرية المتجاورة التي تنتج حالةً شعريةً واحدة في بُعْدٍ زمني واحد ، وكذلك الصور الشعرية التي تنتج أحوالا شعرية متعددة في أبعادٍ زمنية متعددة في القصيدة الواحدة هي أيضا أساس من أسس السرد الشعري ، وربما يجب أن نلاحظ الظاهرة السردية التي باتت تشكل ملمحا لافتا في لغة القصيدة الحديثة ، وبخاصة لدى الجيل الذي بدأ رحلته الإبداعية منذ أواخر السبعينيات من القرن العشرين ، وربما يجب أن نفترض أن هذه السردية الواسعة هي ما يشكل الفرق الأكثر حضورا بين الشعر القديم والشعر الجديد من حيث البناء والرؤيا معا ، والواقع أن السردية ليست قاصرة على هذا الجيل الذي نتحدث عنه ، وإنما برزت كملمح قوي في شعر بعض الرواد أمثال السياب وحجازي ، ثم اتسع انتشارها لدى محمود درويش وحميد سعيد وخيري منصور وأمل دنقل وغيرهم ، غير أنها باتت ظاهرة شديدة الحضور في شعر هذا الجيل الذي بدا مُصِرَّاً منذ منتصف الثمانينيات على الوصول بالسردية إلى أبعد مدى
   لقد تجاوز الشعر الحر كل المسائل الخلافية القديمة حول العروض التقليدي والقافية ، فلم يعد من معنى لطرح مثل هذه المسائل للنقاش والبحث ، وما زال الشعر الحر يحقق لنفسه حضورا أقوى وأكثر فاعلية مع الزمن ، ولقد كان بعض النقاد يظنون في أربعينيات القرن العشرين أن مدرسة الديوان بزعامة العقاد وشكري والمازني ومعها مدرسة أبوللو قد بلغتا من العمق حدا ستقف القصيدة العربية عنده لعشرات السنين ، ثم لم تكد تمر بضع سنوات حتى رأى هؤلاء النقاد الموجة الأولى من الشعر الحر ، وعند ذلك لم يترددوا في أن يعلنوا أنها حركة نثرية لن يمر وقت طويل حتى يفقد أصحابها الاهتمام بما يفعلون ، ثم ينصرف الناس عنهم ، ثم تنتهي حركة الشعر الحر إلى زوال فتموت ، ولكن ذلك لم يحدث لحسن الحظ ، فلقد هجم رواد الشعر الحر على اللغة من كل صوب هجمة شاملة في مطالع الخمسينيات ، ومنذ ذلك الوقت بدا أن ما فعله السياب بلغة الشعر ، وكذلك ما فعله حجازي ونازك ومحمود درويش ، لن يتوقف عند حد ، وربما آن أن نفترض أيضا أن ما حققه هذا الشعر من حضور فعال في نسيج الحياة وبخاصة فيما         يتصل بالسردية ، ربما لم يكن يخطر على بال رواده الأوائل
   إن السردية في الشعر لم تصبح نوعا من الاستطراد الخالي من القيمة ، وإنما صارت آلية من آليات الروح في اكتشاف الوجود ، السردية هي نتاج تغير شامل طال الحياة من كل جانب ، فغير مفهومها وجوهرها ، وانعكس هذا التغير على وعي اللغة ووعي الشاعر في آن ، ولقد سعى كثير من شعراء الموجة الحديثة إلى التخفف من الاستغراق البلاغي الذي أثقل الكثرة الغالبة من المنتج الشعري العربي عبر العصور بدعوى التوشية والتزيين ، كما سعى هؤلاء الشعراء إلى التخفف من وطأة الغنائية المفرطة التي لاحقت الشعر العربي في أكثر مراحله ، وكانت السردية هي الوسيلة الأكثر نجاعة في تحقيق مطلبهم فنيا وجماليا وموضوعيا
    والواقع أننا نستطيع أن نرى نوعا أوليا من السرد في بعض المنحنيات الوصفية في الشعر الجاهلي ، وبخاصة تلك المنحنيات التي وصف فيها الشاعر الجاهلي الناقة وهي تعبر به بين التلال وعبر السهوب ، وفيه حاول الشاعر أن يعيد قراءة الأشياء والناس والموجودات بحيث يحمل عليها مفهوما إنسانيا خالصا يجسد رؤيته للعالم ، ولقد كان يفعل ذلك معتمدا على لون من الحكاية بسيط ومحدود يتصل حينا بوضعيات إنسانية يتذكرها الشاعر خلال رحلته في الصحراء ، وحينا يتصل بوضعيات الناقة نفسها كموجود يتضامن وجوديا مع الشاعر ومع نفسه في هلكوت الانتقال من مكان إلى آخر في صحراء قاسية ، ولقد حكى طرفة عن ناقته في مستوى قصصي بسيط ولكنه عميق ، وكذلك فعل عنترة مع جواده في مواجهة الموت خلال القتال ، ولكن الشاعر القديم لم يتجاوز بناء علاقات استعارية محدودة تنهض في جوهرها على قرينة التشبيه ، ولم يكن وجه الشبه الذي ارتكزعليه الشاعر القديم في بنائه للعلاقة إلا وجها حسيا على مستوى الصورة الخارجية فحسب ، ولذلك ظل دائرا في الحدود البلاغية التي وضعها له البلاغيون وقصروه عليها ، إذ كان البلاغيون ينظرون إلى الاستغراق في السردية التي تتجاوز حدود مصطلحاتهم على أنها نوع من المحال العقلي أو المنطقي ، لقد أثر التزام الشاعر القديم بحدود المصطلح البلاغي على الشعر تأثيرا سلبيا ، فقد حد من انطلاق تيار الشعور أو كبحه كبحا ، فلم يستطع الشاعر القديم أن يكتشف الإمكانات الخلاقة للسردية ، وظلت اللغة وسيلة تعبيرية فحسب عن معان يمخضها الشاعر في وعيه قبل صياغتها لتلائم الذوق التقليدي وما تعارف عليه الناس
وبخلاص الشعر الحر من حدود المصطلحات البلاغية القديمة فتح أمام الروح كنوز السرد ، فأطلق الشاعر الحديث لروحه العنان وبدأ يمارس درجة قصوى من السيطرة على اللغة وإلزامها بالتحرك تحت شرط الإحالة وليس تحت شرط المعنى سابق التجهيز والمقبول منطقيا في عرف البلاغيين ، والفرق بين المعنى والإحالة عظيم ، إذ في الإحالة تقفز تجربة المتلقي كمشارك أصيل في النص ، وكلما كان الشاعر قادرا على الإفلات من الحدود الهندسية للمعاني وعلى خلق مدى من الإحالات واسع وعميق ومتنوع الدلالة كان ذلك بمثابة فضاء غير محدود يستطيع كل قارئ أن يكيفه وفق تجربته في الحياة وموقفه من الوجود

(من كتاب أ/ عبد المنعم كامل/  بنية الشعر المعاصر وقضاياه. بقلمه)

تعليقات