معذرة..
في هذا اليوم كدت أتسبب في كارثة يذهب العالم ضحية لها، ذلك ما حدث بالفعل ودون
قصد مني أو تعنت.. يعتقد الناس بالخطأ أن الشمس تشرق فيما بين الخامسة والسادسة
صباحا. خطأ فادح. فعادة ما تشرق الشمس فيما بين التاسعة والعاشرة. معاد استيقاظي
من النوم.. فمن عادتي الاستيقاظ فيما بين التاسعة والعاشرة.. في هذا اليوم الصعب (والذي
يبلغ حد الكارثة) صحوت من النوم في تمام الساعة الحادية عشرة وواحد وعشرين دقيقة
وست ثوان.. أي أن الشمس قد تأخرت عن موعدها ما يربو علي الأربع ساعات.. واضح أن
درجة حرارتها قد ارتفعت الي الحد الذي تسبب في تصاعد تلك الأبخرة الهائلة من النهر،
فحجبت الرؤية تماما، وكأن الأرض قد خلت من البشر والشجر.. فلا أحد يري شيئا.
المزارع اختفت. تخبط الناس بعضهم في بعض. سقط الكثير منهم، فلا نعرف عدد القتلى أو
الجرحى أو الذين قد أصيبوا، ولا نعلم مَن دهس مَن. سقط الكثير في النهر اذ اختلط
عليهم النهر بالجسر.. صراخ في صراخ وعويل في عويل.. ارتطمت رأسي لا أعرف بعامود
نور أو بشجرة أو بأحد الأشخاص.. بالكاد رجعت الي بيتي، وكانت المسافة بيني وبينه
لا تزيد عن المتر ونصف المتر.. اختبأت تحت السرير متحملا عبث الفئران بجسدي
النحيل.. تعالت الصيحات فضج بها المكان: هو السبب. هو السبب. هو السبب.. كانت
زوجتي منزعجة جدا.. غرق في النهر. أقول لكم انه قد غرق في النهر، أه لو ايدي
تمسكه؟
ماء
النهر يغلي. يغلي. يغلي.. رويدا رويدا تبزغ الشمس من جوف النهر، وقد تكالبت عليها
هالة من النور الأحمر المخلوط بالنور الأصفر والأبخرة تتصاعد.. الناس واقفون علي
شاطئ النهر يرقبون الشمس، واقفون متحفزين باللحف والبطاطين. علي أهبة الاستعداد لتغطية
الشمس والتكالب عليها لإجبارها علي الغوص ثانية في قاع النهر فتغرق ويستريحون
منها، لا بأس اذا ما لزم الأمر. سنتحمل الظلام. نتحمل الدهس والتخبط والغرق في
النهر.. نتحمل كل شيء.. لقد باتت الشمس هي مصدر الخطر علينا جميعا.. ملعونة أيتها
الفئران لا تكف عن العبث. لم يعد جسدي يتحمل.. أطل برأسي من النافذة لأتفرج، ثم
أعود الي الاختباء تحت السرير ثانية.. الرؤية غير واضحة، وكأن الناس أشباح تتراقص
في ضوء الشمس الذي بدأ ينتشر بصعوبة كمريض يتعافى.. الأبخرة تتصاعد من النهر كصراخ
الأنثى لحظة الولادة.. الناس واقفون. واجمون. يترقبون. اللحظات تنهشهم.. فارقي
النهر أيتها الشمس ليبرد ماؤه ونستمتع بنورك.. أسرعي. أسرعي. الكل يشجعها ويحثها
علي اكتمال الظهور.. الناس يتهامسون: لم نعد بحاجة الي اللحف والبطاطين الآن.. علي
ما يبدو أن الشمس قد اتخذت قرارها، فها أنا قد قررت الظهور فتراني الشمس فتعرف
أني قد استيقظت من النوم..
معذرة أيها العالم.
معذرة، فسأستيقظ (بعد ذلك) فيما بين الخامسة والسادسة صباحا..
.jpg)
تعليقات
إرسال تعليق