سيجارة لف



            سيجارة لف...

                         (قصة أ/ عاطف عبيد.. 14/ 2/ 2014)
            ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  3 قراريط أرض على المصرف هي كل ثروة صميده المكاوي، يراها في نظره اجدع من كل فدادين أرض العمدة. وعلى الرغم من أن الأراضي المجاورة للمصارف هي أضعف الأراضي خصوبة لتشبعها بالأملاح؛ إلا أن ثقة صميده وهو يتكلم عن قراريطه الثلاثة تجبر فلاحين بلدنا على الاقتناع بكلامه. حتى العمده عبدالعظيم عندما وصله كلام صميده ضحك قائلا...."صميده عنده حق بس يعني أرضه أربعة خطوط طويله لو رفعناها ممكن تطول السما..."
كان يرى صميده في نفسه أنه أجدع فلاح في بر مصر، يكتب على عربته الخشبيه التي يجرها حماره النحيل "الفلاحة كانت عال بوظوها العيال...مع تحيات فلاح مصر الأول" حيث يرى أن دخول ماكينات الري الحديثه، وجرارت تدور في شوارع البلد كل يوم وأشياء أخرى يراها صميده مفسدة عظيمة ذهبت ببركة الأرض والفلاحة.
يرتاح لحديث صميده كل أهل بلدنا، وعلى الرغم من فقره إلا انه كان نظيفا في هيئته، يحسده أعيان البلد على جلوسه وسطهم عند الجمعية الزراعية بجلبابه الكستور المخطط، يجلس ورأسه مع رأسهم، وله نصيب في الكلام كنصيب أغناهم.... يرى في محصوله أنه أحسن محصول قمح هذا العام، يخبره عطية المشرف الزراعي أن انتاج أرضه ضعيف مقارنة بباقي غيطان البلد، يشد صميده انتباه الجميع قائلا: يمكن أرضي مجبتش قمح كفاية بس الأردب من عندي يساوي عشرة من قمح أجدع أرض في البلد.... الغريبة انه يبيع محصوله بسعر جيد كل عام. ويرى التاجر الذي يشتري محصول صميده، أن عدة جنيهات زيادة ستكون أكبر دعاية لهذا التاجر في البلد، حيث يدور صميده في كل مجالسها، محدثاً الجميع بمزايا هذا التاجر وصدقه ومهارته، وإلا كيف قبل صميده أن يبيعه محصوله.... ويضحك صميده والفلاحين والتجار من حسن عرض ذلك المعتز بأشيائه.
لم يكن معتزاً بأشيائه فقط، بل يعتز بأي شيء يمتلكه ولو بشكل مؤقت ، فإذا استعار بقرة عبدالمقصود جاره... تكون هذه البقرة وجمالها وقوتها حديث البلد طوال اليوم.... وما أن ترجع لعبدالمقصود بقرته، تصبح بقرة صميده النحيلة أجدع بقرة في الدنيا....
يرى بلدنا أحسن بلد في الناحية كلها، ويرى كفر الشيخ أحلى محافظة في مصر، ويرى في مصر أحلى وطن... وكل مرة يبرر بحبه لأشيائه ببراهين منطقية قدر الامكان واسلوب ممتلئ طيبة بعيدا عن الصلف والغلاسة.... لا تملك وأنت تسمع حكاياته إلا أن تحب كل أشيائه الفقيرة....
مع ظهور الأفندية وبتوع المدارس في بلدنا، بدأ الفلاحون يشعرون بالحرج وهم يبرزون أختامهم النحاسية أمام صراف الجمعية، أو في دكان الحاج محمد عند ختمهم لاستلام التموين..... إلا صميده الذي ظل يتباهي أنه بصمجي، ويتعجب من اولئك الفلاحين الذين يقرأون الأهرام ويسمعون المسلسلات في التلفزيون ثم يمارسون الفلاحة بعد ذلك.... كان يرى في أميته مكسبا كبيراً ليركز في علاقته بالأرض.... ويسخر من خطوط الكراريس الفارغة في حقائب التلاميذ.
لم يغير صميده علاقته بالدخان الملفوف، ويرى في نفسه أن أحسن واحد يلف سجائر في البلد، حتى لو كلفه ذلك أن يهدي محدثيه سجائر قام بلفها بعناية ليثبت صحة كلامه. وإذا صادف أن من محدثيه علوان العندور الذي يشترك مع صميده في شرب السجائر اللف، يتباهى صميده أنه يشتري دخانه من المركز كل يوم خميس، الموعد الأسبوعي لعربة الدخان.. هنا فقط يضحك علوان بعد أن تأكد أن صميده أقنع الجميع أن دخانه أحسن من دخان علوان.....
أصيب صميده فجأة بالفشل الكلوي، وتدهورت حالته بشكل متلاحق، وتكفل العمده عبدالعظيم بتكاليف عملية جراحية كبيرة خسر فيها صميده كليته اليمنى..... وفي عنبر ممتلئ لأخره في مستشفى دسوق المركزي نام صميده وسط مرضى آخرين.... وما أن عاد الوعي له، بدأ يمارس طباعه القديمة... يقوله لجيرانه المرضى من منكم تكفل العمدة بمرضه، عمدة بلدنا أجدع عمدة في الدلتا..... وعندما زاره العمدة عبدالعظيم في عنبر المرضى، وجد تمهيدا رائعا قام به صميده لعمدنه أمام المرضى وكل من بالمستشفى.... وقد فهم العمدة عبدالعظيم أن مرض صميده لم يمنعه أن يعتز ويتباهي بعمدته.... قال صميدة للعمدة عبدالعظيم.... والله يا حضرة العمدة الدكتور أحمد المغازي أحسن دكتور، تسلم البطن اللي خلفته.... شوف يا حضرة العمدة الجرح بتاعي، وبدأ صميده يكشف ملابسه حتى يرى العمده مكان العملية... قال صميده للعمده وهو ينظر في بطنه المجروحة....: شوية خياطة ياحضرة العمدة بس ايه.... تطريز....
إلا أن مهارة الدكتور أحمد المغازي لم تمنع قضاء الله، مات صميده بعد ايام من زيارة العمدة له.... وبعد صلاة الظهر خرج محمولا على الأعناق من مسجد طلحة الشاذلي، وما أن انتظمت الجنازة على طريق المقابر الذي امتلا لآخره، نظر المشيعون إلى النعش المغطى بالستان الأخضر... وكأنهم يترقبون أن يطل صميده برأسه من النعش ويقول لمشيعيه:..... أحلى جنازة في الدنيا لفلاح مصر الأول.....



تعليقات