ماندولاى
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
من طبيعة الأسود، وكذا
سائر الحيوانات، أن تتخير بدقة وبحصافة أماكن تواجدها وإعاشتها، فهي (الاماكن المختارة)
تجمع بين وفرة الطعام والمياه الصالحة للشرب، والمُأمنة من قبل الطبيعة.. الأسود
لا تتخير تلك الأماكن عن دراسة أو حسابات دقيقة، ولكنها بالغريزة عادة ما تتوافق
مع الطبيعة، شيء بديهي، ومن المعلوم أن الأسود
تفترس عندما تجوع، فالشبع عادة ما يجعلها أكثر توافقية مع الأخرين، فهي غير
الانسان في طبيعتها وفي مسلكها؛ لأنه (الانسان) لا يعرف الشبع، واذا ما شبع بحث عن
مجالات آخري (غير الطعام) يجوع فيها.. الأسود لا تقتل، ولكنها تفترس أو تدافع عن
نفسها..
علي الجانب الآخر كانت
تعيش قبيلة روبيديانو. يفصل بين القبيلتين (قبيلة ماندولاى وقبيلة روبيديانو)
سلسلة من الاشجار الكثيفة والمتشابكة الفروع والأغصان، وغالبا ما تنتشر الأشجار
الشوكية، فتصنع في مجموعها السياج المتين فيصعب اختراقه الا في بعض المناطق التي أزالتها قبيلة روبيديانو
لولوج الغابة بغية الصيد أو حتى التريض
والفرجة..
كثيرا أو عادة ما كان
المتمرسون في مجال علاج الحيوانات يدخلون مخابئ الأسود، فيلتقطون المريض أو المصاب
منهم لعلاجه واسعافه. ماهرون في ذلك. لهم من قوة الملاحظة ومهارة التشخيص ودقة وصف
العلاج.. من عادتهم مراقبة الأسود حتى تخرج للصيد، فيدخلون الوكر بحثا عن مريض أو
مصاب، أو يلتقطونه من الطريق عندما تتركهم العائلة وتواصل رحلة الصيد. كان للعادة
هنا أو التعود فعله الساحر، فانسجمتا القبيلتان، لدرجة أن ماندولاى كلما بدت علي
أي أسد من قبيلته أو لبؤة أو شبل علامات مرض أو اعتلال، فكان يجرجره بعيدا ثم
يتركه علي مقربة من أي بوابة من بوابات السياج الأخضر، فتأخذه عائلة روبيديانو
فتتولاه بالرعاية والعلاج الي أن يشفي تماما، ثم تطلق سراحه فينطلق الي داخل
الغابة قاصدا عائلته ..
لم تكن تلك هي الزيارة
الأولي.. سأله بلهجة الحث والتحريض، وكأنه يشجعه: لماذا لا تستفيدون من الأسود في
عملية صيد الحيوانات يا سيد ماريانو، فيتوافر لكم اللحم والجهد بدلا من مشقة الصيد؟
لماذا؟؟ فرد عليه مستحسنا الفكرة.. أيوه
صحيح (ثم سأله) ولكن كيف ذلك؟ راح يعرض عليه كيفية تنفيذ الفكرة.. هل تعتقد أن السيد روبيديانو
سيوافق؟ أنت تعرف أنه صديق حميم لماندولاى.. يساعده ويحتمى به.. دعك منه.. يسخركم
لخدمته وقضاء حاجياته.. لا يتعب في شيء.
بصحبة ماريانو تسلق القناصة الشجرة العتيقة.. اختبأوا بين الأغصان والفروع
والأوراق..
تحركت قافلة الأسود.. ضربت الكمين حول مجموعة من الغزلان.. بدأت المطاردة..
سقطت الغزالة.. دوت في فضاء الغابة طلقات الرصاص.. في حالة من الهلع والرعب تفرقت
قبيلة الأسود.. نزلت القناصة.. جرجرت الغزالة الي الداخل حيث تقيم عائلة روبيديانو..
مع كل مساء عادة ما تختلط رائحة الشواء بحالة من السعادة والفرح والابتهاج.. بعد
الانتهاء من تناول طعام العشاء الشهي انصرف افراد العائلة الي سهرتهم ونسائهم، وشاعت
بينهم فوضي الزواج.. يستمتعون بهن وتستمتعن بهم، فاجتمع لهم اللحم الأحمر واللحم
الأسود..
مع كل صباح لا أحد يعرف سبب أو كنه اختفاء المرء من عائلة روبيديانو وكذا
أشياء أخري ثمينة.. آه يا أسود يا أولاد ستين كلب.. سنقاتلكم..
ومع كل مساء، أيضا، كانت تقيم عائلة رومنجو الأفراح تلفهم حالة من البهجة
والسعادة..
أما الأسود فعادة ما تتجول في الغابة بحثا عن الطعام وطلبا للأمن..

تعليقات
إرسال تعليق