الرجل الأبيض
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المساحة أربعة قراريط، تنقص قليلا أو تزيد
قليلا، أسهم معدودات أو قصبات، الدار في ركن من المساحة المنزرعة بالخضر. خيار.
فلفل. خص. فجل. جرجير. لفت. كرنب. أما العربة الكاروا والحمار فمحلهما العشة الملاصقة
للدار، الدار غرفة واحدة، في ركن انتصب جدار قصير يستر القاعد في دورة المياه،
ينام عم مسعد مع غروب الشمس. مرتبط استيقاظه وصحوه بشروق الشمس، وكأنه علامة علي
الغروب والشروق، مع الشروق يعد الخضار ثم يقوم برصه علي العربة. يعلق الحمار، ومع
طلوع النهار عادة ما ينطلق صوته كأنه المذياع: لوبيا يا فجل لوبيا. الجرجير. خيار
يا اللي تخلِّلي. كرنب يا اللي تحشي...، كان اختفاء صوته علامة دخول وقت الظهر،
فلا يجد أحد له أي أثر. ابتلعته داره التي يلزمها الي نهار اليوم التالي.. هكذا
عاش عم مسعد، وهكذا مضَّي أيامه ولياليه وسنوات عمره، فما من سنة مرت عليه الا وقد
تركت علي وجهه وجسده علامة تدل علي أنه لم يزل علي قيد الحياة. توقيع الزمن علي
أبدان البشر لإثبات المرور. عم مسعد لا علاقة له بالبشر (أي بشر) إلا تلك القروش
التي يتقاضاها منهم ثمنا لما يشترونه منه. وحيدا منعزلا، لا أنيس له ولا ونيس. العالم
الخارجي لا يمثل له أي شيء. حدود تفكيره لا تتعدى حدود مساحة قراريطه الأربعة
وداره وخضاره وحماره ونقوده. كعادته راح يعد الجوزة قبل النوم، فهو بعد ربع الساعة
سيخلد الي النوم. يندس في فراشه. سرير يفاخر به ويزهو. ورثه عن جده. يا لك من لص
شقي. تجيد القفز من النوافذ. لما لا تدخل من الباب؟ ظننتك نائما. سحب عم مسعد نفسا
من الجوزة. اللص يبحث عن شيء ما في أركان الغرفة (الدار) اهتدي الي الصندوق الخشبي
في الركن تحت النافذة البحرية. فتح الصندوق. قلب فيه. عثر علي الصرة. رفعها ليدسها
في صدره. تصبح علي خير يا عم مسعد. وانت من أهله، في رعاية الله. انصرف اللص. مع توالي
الليالي توالت الزيارات. لاحظ الناس في المدينة أن عم مسعد هو الذي يجر عربته،
فعرفوا أن حماره المتين قد سُرق، مرت الأيام فحمل خضاره في المشنة علي كتفه. هل
سرقت العربة؟؟ ما أجمل سريرك يا عم مسعد. رائع. بزهو وفخر: أعجبك؟ فك اللص السرير،
فأيقن عم مسعد أن والد اللص بحاجة اليه. لأول مرة يطرق باب عم مسعد طارق، فتهلل
واستبشر. فتح الباب. أنت عم مسعد؟ لقد اشتريت مساحة الأرض والدار، فسأله عم مسعد:
هل التوقيعات صحيحة؟ فأكد له الرجل صحة
التوقيعات. النوم في الخلاء أكثر متعة ورحابة من النوم في تلك الدور التي تذكرنا
بالسجون وجدرانها وقضبانها، علي رصيف الجامع اتخذ عم مسعد منامه وملاذه مستمتعا
بشقاء التقلبات الجوية حرا قائظا وبردا قارصا، تلفت عن يمينه وعن يساره. هل كانت
لكم مساحات أرض ودور مثلي، فأومأوا برؤوسهم، بينما أجسادهم تكفكف من شدة البرد
وسوء الأحوال الجوية.. يقال أن عم مسعد هذا قد عاش علي الأرض قرابة الألف عام،
فكثيرا ما كان يتحدث عن حرب التتار المغول، فيسمع له الناس بشغف وهم يتحسرون علي
أحوالهم.. عم مسعد.

تعليقات
إرسال تعليق