من طبيعة القاص والكاتب عموما
أنه يبذل الجهد لتجويد نصه، فتتحقق الاندهاشة والاستحسان.. رائع. مبدع. عظيم.
علي تلك القاعدة يعمل سائر الكاب ويجتهدون،
وكأن الاندهاش والاستحسان هدفا للنص، لا بأس.. الي متي ستتحكم فينا تلك القاعدة؟
الي متي؟ لماذا لا نكتب نصا يثير الدهشة والحسرة من النص والرثاء لكاتبه؟ لماذا؟
فلنجرب:
البئر القلادة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
محسن السلمى والسيد شافع العوضى.. باعتقادي
أنه لا أحد في المدينة لا يعرفهما. الصداقة الحميمة والود الخالص والتنافس علي
الثراء والثروة وجمع المال وبناء الفلل والقصور والتكالب علي شراء الضِياع. كثيرا
ما ينعت أهل المدينة السيد محسن السلمى بالسذاجة والغفلة لفرط طيبته، اما السيد
شافع العوضى فرأي الناس فيه عكس ذلك تماما، فالسيد محسن السلمى لا يصدق أبدا أن
شافع العوضى وراء سرقة الكثير من بهائمه. لا يصدق أبدا أن شافع هو الذي سرق بغلته
الشهيرة رواحة. لا يصدق. مجرد سرقات تقع فيستغلها المغرضون وأهل السوء للوقيعة بين
الرجلين. بئس العالم. ما أكثر وشاته والساعين بين الناس بالسوء حقدا وحسدا.. كثيرا
وكثيرا جدا ما يعمل محسن السلمى حسابا لمسألة القرابة، فكلاهما (محسن السلمى وشافع
العوضى) أولاد خالة، وكان ذلك سبب مبلغ المال المحترم الذي أقرضه محسن لشافع
ارضاءً لأمه.. يا ابني اللي يُجبر الناس ربنا لازم يُجبره، وانت يا ابني عارف ظروف
خالتك وشافع ابن خالتك.. يعتقد البعض أن ذاكرة الناس بخاصة المتقدمين في السن
(العواجيز) ضعيفة، الواقع بغير ذلك تماما، فكثيرا ما يرددون في جلساتهم الخاصة
وساعات السمر تلك القصة وكأنهم كانوا شهود عيان علي واقعة القرض وسخاء وكرم أو بله
وغفلة السيد محسن السلمي.. راجل مغفل بصحيح. يعني لو كان بني بالفلوس دى جامع موش
كان أحسن؟!
يستمع
السيد محسن لتلك الشائعات المغرضة والتي تنم عن
الحقد والحسد والرغبة الملحة في افساد ذات البين.. ملعونة أيتها الدنيا. ما
أسوأ البشر وفساد نفسوهم الأمارة بالسوء.. الي متي سيظل هذا العالم وهؤلاء البشر
بهذا السوء؟ هل سيظل هذا العالم مرتعا للأشرار؟ والي متي؟ الي متي؟ هل تختل القيم
بذهن السيد محسن السلمى؟ هل يكفر بالمبادئ وبما نسميه عادة الأخلاق الحميدة
والضمير الانساني والسمو؟؟ كثيرا ما يشرد السيد محسن بذهنه تساوره الأفكار السوداء..
الحقد والحسد يأكل قلوب البشر.. تناول قرص النوفالجين، ثم راح يرتشف من كوب
الشاي..
سأله
ضاحكا لا تخلو صفحة وجهه من علامات التعجب والاستغراب: ماذا تفعل يا سيد شافع؟
باهتمام وفي جدية: أحفر بئر ما. الماء هنا شحيح ومحال ظهوره مهما حفرت فالربوة مرتفعة جدا. لا عليك. دعني
وشأني.. حدث السيد محسن نفسه: علني استفيد منها.. واصل السيد شافع عمله متحملا
مشقة الحفر. ما أكثر الشائعات في المدينة وسرعان ما تنطلق بها الالسنة تطيرها
وتبعثرها في كل مكان: شافع عثر علي الكنز، لا يريد أن يشاركه فيه احد. شافع يواصل
الحفر. الماء لم تظهر. البئر عميقة. لا أثر للكنز وما من شيء يلمع، وضاع الحلم كما
ضاع الجهد..
غريبة
هي الاحوال في مدينتنا. السرقات تزداد. النصب والاحتيال. الشائعات حديث الناس في
كل مكان. غريبة هي مدينتنا. لا أحد يعرف سر علاقة محسن السلمي بضباط المباحث. شيء
ما يلوح في الأفق. هل مصرع السيد فتوح الساخى، مدير أعمال شافع العوضى وكاتم
اسراره، واحتراق سيارته قضاء وقدر؟ هل هي بفعل فاعل؟ ما علاقة السيد محسن السلمى
بالحادث؟ احداث تقع وشائعات تنطلق وتروج في المدينة. غريبة هي مدينتنا.
شافع
يدلق الماء في البئر متحملا مشقة حمل الماء ودلقه في البئر. صاعدا نازلنا الربوة.
ارتفع الماء في البئر.. يا لها من ليلة كلها كد وتعب وشقاء.. أشرقت الأرض بنور
ربها..
بابتسامة
عريضة وفرح: أدعوك صديقي الحميم لتشاهد الماء في البئر بنفسك.. تعجب السيد محسن
السلمي. تشكك في نفسه. هل خذله القدر؟! انها لمعجزة.. على غفلة دفعه شافع العوضى
ليسقطه في البئر، الا أن السيد محسن السلمي قد استغل قوة الدفعة ليقفز عابرا فوهة
البئر، وكأنه طائر يحلق في سماء البئر. انصرف كل منهما لحاله، وكل منهما في
اتجاه..
شافع العوضى أبدا لا يعرف سر تلك النظرات. من
يضحك ومن يسخر ومن يستهجن ومن يدير له وجهه..
صار من الشائع ومألوف العادة أن يذهب الناس
لمشاهدة البئر. قد تحولت الي مزار ومكان لالتماس البركة "بئر محسن
السلمي"، ما أكثر القصص والحكايات.. أعمدة النور التي تخرج منها، والأصوات
البديعة التي تنبعث. وكم من عين معطوبة شفيت تماما بعد اطالة النظر في البئر.. قصص
وحكايات لا حصر لها برع الناس في نسجها وحكيها. بئر "محسن السلمى" أو
البئر المبروكة..
عاش
شافع العوضى في المدينة يسعى بين الناس وكأن البئر معلقة في عنقه كالقلادة، ودمتم
وكل عام وحضراتكم بألف خير بمناسبة عيد الأضحى المبارك.
تعليقات
إرسال تعليق