سلطنة وآخر روقان

      سلطنة وآخر روقان
     ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مخطرتش علي بالك يوم تسأل عني..
حيرت قلبي معاك وانا بداري واخبي..
يا فؤادي لا تسل أين الهوى. كان صرحا من خيال فهوي..
وان مر ع الخاطر ذكراه تنزل من الوجد دموعي.. 
وله في الغزل تأثرا ومقارعة:
ذوبني الشوق اليك
ونار الهوى فيك تكويني
وكأس الغرام من خمر عينيك
لا يشبعني ولا هو يرويني  
فزيدينى من سحر عينيك ثم زيدينى
   سلطنة وآخر روقان.. لسعت السيجارة أصابعه. تنبه أنها في النزع الأخير. بحنق قذف بها علي طريقة محترفي التدخين..  "إني لأفتح عيني حين أفتحها على كثيرٍ ولكن لا أرى أحدا"  فقد خلا تماما عالمه الخاص من رواد المقهي ومن الكراسي والضجيج والمارة والتكاتك وعربات النصف نقل. "عايش لوحدي" وتأثرا بوعد بلفور فقد استبدل شعبا بشعب. عالم الواقع بعالم أم كلثوم ملكة، وحكومة تعزف، وشعب يتمايل ويصفق.. عظمة علي عظمة يا ست.. بذكرياته يعيش عالمه.. اصفرت الشمس ايذانا بالانسحاب من ضجيج الحياة وصخبها.. المساء يزحف.. درجة الحرارة في انخفاض متواصل. السحب تبدو اكثر قتامة. الرواد يتابعون الماتش. الوقت يمر. النتيجة واحد زفت.  لم تعد للأحداث قيمة أو اهمية. متي ينتهي الصدام المروع؟ يتابعون احوال الطقس. السحب متربصة. الرزاز المتطاير ينذر بمطر ثقيل.. بمرور الوقت راح زبائن المقهى ينصرفون الواحد تلو الأخر. من فضلك يا أستاذ ح نشطبوا، نظر في ساعته. تقترب من العاشرة. كم من اغنية لأم كلثوم قد استمع اليها. بدأت بشائر نزول المطر.. المسافة، بين البيت والمقهى، بعيدة. هم بالانصراف مغادرا المكان. عليه ان يقطع المسافة الي بيته ماشيا. اختفت التكاتك وكذا الناس. المطر يشتد. سرت احتمي بأسقف البلكونات وتندات المحال. ارتفع الماء في نهر الشارع. لم تعد الانارة كافية لرؤية الأشياء بوضوح أو بالقدر الذي يسمح بذلك، ما اكثر المصابيح الكهربية المطفأة. بعض البقع الضوئية تلعب او يلاعبها ماء المطر المتراكم في نهر الشارع. واجهات البيوت والعمائر اغتسلت جيدا. اعمدة الانارة واشجار الزينة. درجة الحرارة انخفضت بشكل ملحوظ. المطر يهطل. لا أثر لقطة او لكلب يمرق. توقفتُ. احتميت بمدخل عمارة. مساء الخير. باقتضاب ردت التحية. مسا. يالك من رجل لكع، وكأنها تقول ذلك. ليلتك سودة. انحشر باقي الكلام في زورها. مدخل العمارة خافت ضوؤه. لمبة واحدة في السقف. البوابة من اعواد الحديد والخوص المتشابكة. يفتح علي المدخل محلان. محكم غلقهما. المرأة محشورة بين البوابة والجدار الملصوقة به. ملامحها غير واضحة. تمعن النظر من خلف القضبان كسجين. تراقب هطول الامطار. ليلتك شكلها كدا سودة موش فابته. خفت حدة المطر. اسرعت بمغادرة المكان. علي ان اجد السير الي بيتي. البيت لم يزل بعيدا. رحت امشي قفزا كضفدعة تفاديا للنقر وبرك الماء والحجارة الموضوعة بإهمال وقوالب الطوب الاحمر.. لم يزل البيت بعيدا. درجة الحرارة في انخفاض. عاود المطر الهطول. تعذر السير. لم تعد اسقف البلكونات او التندات مناسبة. احتميت بمدخل بيت عتيق متهالك يشبه احد سراديب مغارة علي بابا. بصيص نور. بالكاد تفحصت ساعتي.. شبح يقترب مني يحمل اكياسا وعلبا. احد اللصوص قد حضر الي المغارة؟ مساء الخير يا حضرة. يا اهلا وسهلا. مساء الانوار علي عيونك. واقف هنا من زمان؟ بقالي مدة. المطر صعب الليلة. أي والله. عندك حق يا حضرة. بيتك بعيد؟ أي والله بعيد يا هانم. تعرف اني خارجه من البيت والجو كان جميل. علي النعمة انت اللي اجمل من الجمال نفسه. بتقول حاجة يا حضرة؟ يا تري شكلك ايه؟ يا اخوانا نوروا اللمبات خلونا نشوف. انا عجبتني جزمة سمره بس يخساره. طلعت واسعه. لقيت واحدة نبيتي بس فاقعه أوي.. ومن حكاية الجزمة الي حكاية فساتين السهرة الي حكاية الارواب وقمصان النوم الي بنطلونات الاولاد الي حكاية فساتين البنات. تكلمنا في الاسعار واقتصاديات السوق والعلاقات الخارجية والاحداث الجارية. الامطار تسقط. ليلتنا طويلة. خفت حدة المطر. هدأت ثورة السحب. توقف المطر. تسلل نور النهار من النوافذ. يا وليه كفاية. النهار طلع. نفسي انام شويه.. اطنن نام. هي الواحده متعرفش تتكلم معاك كلمتين علي بعض؟؟ نام. اطنن.          


تعليقات