بــــــأتعة 2035

        بــــــاتعة 2035
           ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   لم تعد للتاريخ قيمة او أهمية، فالمتهم برئ حتى لا تثبت ادانته. بنتان وولد. زوج متوفي وثروة طائلة. توفيت امها منذ سبعة عشر عاما وبضعة أشهر. لا أثر للبيت من طابق واحد. عبارة عن غرفة وممر صغير بعرض المتر ونصف المتر يحوي لوازم المطبخ. انية للطهي. اطباق من الالومنيوم. ملاعق. اشياء صغيرة تصلح للتنظيف. لا اثر للبيت. حاولت أن تحدد مكانه ولكن دون جدوي. محته موجة التغيير وتوسعة الحارة فتحولت الي شارع عملاق. لم يعرفها احد، بالكاد عرفت عم محمد سليمان البقال. الشاي والزيت والسكر والصابون. الملح والفلفل الأسود والكمون، عرفته وهو قابع في مكتبه يدير محله السوبر ماركت ذو الاجنحة الثلاثة. جناح الالبان والمأكولات الجافة والمعلبة ولوازم الاطفال من شيبسي وبسكويت والحلوى المغلفة وانواع العصائر المختلفة، وجناح البلاستيكات وادوات النظافة ومساحيق الغسيل ومبيدات حشرات المنازل ومعطرات الجو، والجناح الثالث للحوم الحمراء والدواجن المجمدة والبيض والزبد المستورد وعلب التونة والبلوبيف. سوبر ماركت المدينة لصاحبه الحاج محمد سليمان. اختفت الدكانة الحقيرة لا وجود لها ولا أثر. زارت الاجنحة الثلاثة. تعرفت علي الاسعار والاصناف. ازيك يا عم محمد؟ بركة اللي انت طيب. نظر عم محمد الي الواقفة امامه والمائلة برأسها تجاهه كأنها تريد أن تقبله او تحتويه بين ذراعيها. ازيك يا راجل يا عجوز؟ بخير يا هانم. نستني يا عم محمد؟ انت مين يا حضرة؟ ضحكت. انا مين؟ انا باتعة يا راجل. باتعة. راح الرجل يفتش في ذاكرته من خلف نظارته السميكة ومعتمدا علي عكازه وهو ينتصب نصف انتصابه. باتعة. ياه. أه. باتعة. انت تغيرت كتير يا باتعة. كل حاجة تغيرت يا عم محمد. أي والله يا باتعة. الدور بقت عمارات والحواري بقت شوارع، والمحلات بقت سوبر ماركت، ثم سحب شهيقا بعمق ثم أطلقه زفيرا دفعة واحدة وهو يعود الي كرسيه مجهدا. اقعدي يا باتعة، ثم طلب لها الينسون. قهوة يا عم محمد. هات لها يا ابني فنجان قهوة. أشعلت باتعة سيجارة.
   الغربة والوحدة والوحشة. مين باتعة؟ ماشي يا محروس يا ابن مبروكة. لما كنت فقير دقة كنت بتجري ورايه، ولما اتغنيت وبقي معاك فلوس روحت اتجوزت. يا خسارة الساعات واقفه قدامك في محل الطعمية. انا اللي غلطانه. ضحكت بحسرة. كنت عايزاك غني. راجل ملو هدومك. كانت الساعة الرابعة والنصف تقريبا أي قبل أذان الفجر يربع الساعة. الجو بارد. لا اثر للنجوم في السماء. الساعة الحالكة قبل الفجر. المطر يتساقط  خفيفا. انتهت من حزم ما يؤدي الغرض من امتعة. مالت علي امها. تريد ان تقبلها. تراجعت في اللحظة الاخيرة حتى لا توقظها فتفسد خطتها. اتخذت من موقف السيارات مقصدا لها. غادرت البلدة.
   كل ما تمتلكه من مال ثلاثون جنيها. ناولته ثلاثة جنيهات ثمن السندوتشين. واحد فول وواحد طعمية. تناولت فطورها علي الرصيف ثم انصرفت. سألت بواب العمارة: فيه حد هنا عايز شغَالة؟ ذابت باتعة وسط الشقق والعمارات في المدينة. الاسكندرية لم تتغير كثيرا. محمد احمد لم يزل في مكانه. شارع سعد زغلول وصفية زغلول. سينما مترو وأمير. محطة الرمل. كل في مكانه حتي الذكريات. تزوجت باتعة. لا أحد يعرف كيف ولا متي؟ هل من أحد في البلدة يذكر باتعة؟ والنبي لغيظك وافرسك يا ابن مبروكة.. راحت تبحث عنه في كل مكان. محروس. مضت الوقت الطويل في مراقبة الفيلا. فيلا محروس البحيري. رجل أعمال. لاحظت باتعة ان فيلا محروس دوما مغلقة. الأنوار مطفأة. الحياة فيها راكدة. هل سافر محروس مرة أخري؟ ذهب الي ليبيا؟ الي سوريا؟ الي العراق؟ آه يا محروس. زمانك بقيت مقاول كبير. قول لي يا حضرة هو محروس بيه فين؟ بتأثر وكثير من حزن: الله يرحمه. تعيشي يا هانم. لم تعد للعمارة، عمارة باتعة هانم، أي قيمة أو فائدة. هل تعرضها للبيع وتغادر وأولادها البلدة مرة أخري؟

تعليقات