دردشة كلام. رحل مبارك
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
رحل
عنا الرئيس السابق/ مبارك، الله يرحمه، ولا تجوز عليه إلا الرحمة باعتباره مسلما، وكأي
شخصية سمعنا عنها أو قرأنا، عاصرناها او عبر التاريخ.. فهو بين مؤيد له ومعارض،
فلكل رأيه ولكل وجهة نظره، لا بأس. رحل بعد مواكبته لأحداث جسام لا تحدث عادة إلا
في أزمان متباعدة، يمكن أن تمتد لألف سنة. ممكن؛ لأنها ليست قاصرة علي حاكم واحد
ولا علي دولة بعينها، ولها تداعياتها التي انعكست علي الغالبية من دول العالم،
سواءً بالسلب أو الإيجاب، من تركيا إلي روسيا إلي أمريكا إلي إيران إلي سوريا إلي
دول الاتحاد الأوربي، وتبعا فلها تأثيرها وتداعياتها علي كتل التحالف: حلف شمال الأطلنطي
وحلف وارسو؛ لاعتبار منطقة الشرق الأوسط (بالحساب العسكري) تعتبر منطقة فراغ أمنى إذا
ما قيست بكتل التحالف، مما له أثره وانعكاساته السلبية علي كل دول المنطقة؛ لما
تتمتع به من خيرات (النقط والغاز والثروة) عاش الرجل تلك الفترة وتعايش مع تلك
المعطيات، فكان همه وشغله الشاغل أن يجنب البلاد عملية الصدام مع أي من تلك القوى،
التي تملك قوة تحقيق مصالحها أو الدفاع عن تلك المصالح ودون أي اعتبار لمصالح تلك
الدول (دول الشرق والأوسط) والتي عرفت من ذي قبل بـ "تركة الرجل المريض"
فاستباحها من استباحها أرضا وبشرا، ومن ثم كان هم الرجل وشاغله الشاغل مسألة تجنب
أى صدام مهما كانت المصاعب ومهما كانت التضحيات، وإلا فقد كل شيء وذلك من خلال آليات
فاعلة احترفوا في تصميمها ورسمها وتنفيذها، وشيء خير من لا شيء، فما كان عليه إلا
أن يتحمل مشقة الطريق ويصبر عل الله، سبحانه وتعالي، أن يحدث أمرا، ولا أعرف كيف
سقطت طبيعة تلك المرحلة من حسابات البعض منا. لا أعرف. مرحلة "أكتب ما يملي
عليك" وإلا خسرت كل شيء. كل شيء، وإلا (لا محالة) سيحدث لك كما حدث لسلفيك
ناصر (الاغتيال المعنوي) والسادات
(الاغتيال المادي) فتعامل الرئيس مبارك مع الموقف بحكمة وشجاعة واقتدار وحسن إدارة، واستطاع أن يجنب
البلاد ويلات الحروب والدخول في صراعات او صدامات. ورغم تلك المصاعب والمعضلات
استطاع الرجل أن يحقق الكثير من الانجازات، ونتيجة لهذا الوضع وكرد فعل تفجرت
الثورة، وباعتقادي أن الثورة لم تكن ضد مبارك. لا أعتقد، ولكنها كانت رفضا وثورة
علي ذلك الموقف الدولي والمؤثر بقوة سلبا علي مجمل الأوضاع في البلاد، وعلنا نلحظ تلك
التدخلات في شؤون كل الدول التي قامت فيها ثورات الربيع العربي، وهو الأمر الذي
رفض تماما، فلم يسمح أبدا بأي تدخل، وكان الرد حاسما: تلك مشكلتنا ونحن اقدر علي
حلها، فالجنازة هنا لها مغزاها..
وأنا
هنا لا أسوق مبررا للجنازة العسكرية، فقد برأته المحكمة من كل ما هو منسوب إليه
فبرأت ساحته، ومن ثم فتوجبت له الجنازة العسكرية كضابط عظيم بالقوات المسلحة ومن
بين الذين قادوا معاركها وانتصروا، وإلا فتعتبر الدولة غير معترفة بحكم المحكمة،
مما له من عواقب نحن في غني عنها..
عاش الرجل تلك المرحلة، وهي حلقة في سلسلة الأحداث
الجسام والتي بدأت منذ اندلاع ثورة 23 يوليه 1952
وأنا
هنا لا أسوق مبررات أو أتشفع للرجل بشفاعة، فلنقرأ الأحداث جيدا بوعي وإنصاف في
العصرين: عصر الرئيس ناصر وعصر السادات..
وهذا
(الذي أوردت) بحسب ما اعتقده وأظنه؛ لاعتبار ما وقع من أحداث وقعت بالفعل عشتها
وعايشتها. حلف بغداد مثلا والصدامات البينية، والنزاعات المفتعلة والتدخلات الأجنبية،
وإخراج مصر من الجامعة العربية، ومناهضة عملية السلام وما ترتب عليها من تحريض
وتأليب، والملاحقات التي لا تحصى ولا تعد، وقد سبق أن طرحت السؤال: هل حقول الغاز
كانت علي عهد الملك فاروق؟ علي النحو الوارد في قصة "سهرة قلم وألم"،
ونلفت النظر إلي موضوع السوفالدى والذي كان ممنوعا من دخول البلاد..
وتجدر
الإشارة هنا إلي أني قد نبهت إلي طبيعة تلك المرحلة في أكثر من موضع، وحذرت؛ لأن
تجاهلها أو نسيانها تجعلنا نسرف ونقع في أخطاء جسيمة ليست في صالح أحد منا، لا
شعبا بكل أطيافه وطوائفه، ولا حكومة حتى ولو أتينا بها من عالم آخر، فمن كان علي
الخطأ أيدوه وناصروه ومن كان علي صواب ناصبوه العداء فاغتالوه، والمنافع والمصالح
والأطماع حاكمة لا مراء، لا تبحث عن قضاياك في ثنايا ما تأمل أو تتمنى، فحري بك أن
تنبش في أرض الواقع، والواقع بطبيعته هو الأب الشرعي للمنطق والموضوعية
(البرجماتية) فمهما كانت مرارته فهو واقع يفرض نفسه لا محالة، ورحم الله الرئيس
السابق/ محمد حسنى مبارك..

تعليقات
إرسال تعليق